منوعات

لقاء وعرض موسيقي مع عازفة العود والفنانة الفلسطينية هدى عصفور

لقاء وعرض موسيقي مع عازفة العود والفنانة الفلسطينية هدى عصفور

زارت الموسيقية الفلسطينية هدى عصفور مؤخراً استوديو "Democracy Now!" في نيويورك لمناقشة فنها وتقديم عرض موسيقي.

ولدت هدى في لبنان لعائلة من الموسيقيين، ونشأت في تونس قبل أن تنتقل إلى غزة في سن الـ14، حيث انضمت إلى المعهد الوطني للموسيقى. بعد ذلك، عاشت في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، وتتلمذت على يد خالد جبران في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى. تقسم هدى وقتها حالياً بين نيويورك ومصر. آلتها المفضلة هي العود، وهي آلة وترية شرق أوسطية تقليدية، وأحدث مشاريعها الفنية يحمل اسم "ناقوس".

نص المقابلة:-

إيمي غودمان: مرحباً بكم في برنامج "Democracy Now!"، أنا إيمي غودمان.

"لطالما حلمت بعالم بلا حدود"؛ هذه هي كلمات الموسيقية والفنانة والعالمة هدى عصفور. ولدت هدى في لبنان لعائلة موسيقية، ونشأت في تونس، ثم انتقلت إلى غزة في الرابعة عشرة من عمرها، حيث انضمت إلى المعهد الوطني للموسيقى، ثم عاشت في رام الله بالضفة الغربية المحتلة وتلقت توجيهاً من خالد جبران في معهد إدوارد سعيد للموسيقى. تعيش الآن بين نيويورك ومصر. أسرت هدى الجماهير في جميع أنحاء العالم بعزفها على العود، وفي عام 2009 أصدرت ألبومها الأول بعنوان "مريخ".

بالإضافة إلى عملها كموسيقية، هدى حاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة الطبية الحيوية، ودرّست في جامعة جورج واشنطن. وفي عام 2019، غادرت الأوساط الأكاديمية لتفرغ نفسها للموسيقى. مشروعها الأخير هو "ناقوس"، ومن خلال العود والصوت وتقنية "اللوبر" (تكرار المقاطع الصوتية)، تستكشف التكرار كذاكرة ومقاومة؛ على حد تعبيرها: "ما يعود، وما يصر، وما يرفض الاختفاء".

يسعدنا كثيراً أن تنضم إلينا هدى عصفور بنفسها. أهلاً بكِ في البرنامج.

هدى عصفور: شكراً جزيلاً لاستضافتي، إنه لمن دواعي سروري.

إيمي غودمان: إذن، لقد ولدتِ لعائلة فلسطينية في لبنان؟

هدى عصفور: نعم، التقى والداي في لبنان. في الواقع، كانت والدتي تعيش في العراق، وهي تنتمي إلى عائلة من الفلسطينيين الذين هُجّروا عام 1949، ونشأت في بغداد ومدن عراقية أخرى. أما والدي فقد غادر غزة عام 1967 ودرس أيضاً في بغداد، ثم تنقل لفترة بين سوريا ولبنان، وهناك التقى بوالدتي من خلال الحزب الشيوعي الفلسطيني في لبنان الذي كان ينشط في ذلك الوقت.

إيمي غودمان: لقد نشأتِ في عالمين؛ عالم الموسيقى، ولكنكِ دخلتِ أيضاً مجال الهندسة الطبية الحيوية، وهو أمر مثير للاهتمام، وذلك قبل أن تتفرغي تماماً للموسيقى. تحدثي عن رحلتكِ؛ ولدتِ في لبنان، وإلى أين انتقلتِ بعد ذلك؟

هدى عصفور: بعد شهر واحد من ولادتي في بيروت، وفي خضم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، انتقلنا إلى سوريا حيث بقيت العائلة لبضع سنوات. ثم انتقلنا إلى تونس في عام 1984، وبقيت هناك لمدة 12 عاماً حتى بلغت الـ14 من عمري. حينها انتقلت إلى غزة لمدة عامين، وبعدها عشت في رام الله. كانت الفترة من عام 1998 إلى 2000 بمثابة "السنوات الذهبية" لرام الله.

إيمي غودمان: وكنتِ تمارسين الموسيقى هناك.

هدى عصفور: نعم، كنت أدرس في المعهد الوطني للموسيقى (الذي سُمي لاحقاً بمعهد إدوارد سعيد). كنت حينها طالبة في المدرسة الثانوية. وفي عام 2000، بدأت دراستي الجامعية، وكان ذلك تزامناً مع اندلاع الانتفاضة الثانية. لقد كانت سنتين مضطربتين للغاية، لدرجة أقل ما يقال عنها ذلك، وانتقلت بعدها إلى الإسكندرية في مصر لإكمال دراستي هناك.

وقصة دراسة الهندسة هي قصة عربية أو شرقية تقليدية؛ حيث تحاولين ألا تغضبي والديكِ. تكون لديهم رؤية معينة لأنكِ بارعة في الرياضيات والعلوم، لذا يجب أن تصبحي مهندسة. بالنسبة لي، كان واضحاً منذ البداية أنني أريد أن أكون موسيقية، لكنني في الحقيقة أحببت هذا "المنعطف الفني"، لأنه منحني الكثير من المهارات المفيدة ونظرة للكون والعالم أقدّرها حقاً.

إيمي غودمان: لقد درّستِ في جامعة جورج واشنطن في العاصمة دي سي؟

هدى عصفور: نعم، لعام واحد.

إيمي غودمان: هناك درستِ "القلب" (علمياً)، والآن تخاطبين القلوب بموسيقاكِ، وربما تساهمين في شفائها بطريقة أخرى.

هدى عصفور: أعتقد أنها أداة أكثر صحة للتعامل مع مشكلات القلب.

إيمي غودمان: تحدثي عن الحدود وما تعنيه لكِ.

هدى عصفور: كفلسطينية، تنشئين ومعكِ وثيقة تذكركِ طوال الوقت بأنكِ لا تُعاملين بالتساوي في هذا العالم. لذا، كانت فكرة التنقل ولم شمل العائلة في الشتات – وخاصة عائلة والدتي المنتشرة في كل مكان – صعبة. كان لدي خالة في لندن، وخال في أمريكا، وكانت عائلتنا تلتقي بانتظام في الأردن للم الشمل.

فكرة أن أكون مقيدة بهذه الحدود السياسية كانت محبطة للغاية بالنسبة لي منذ طفولتي. ولاحقاً، تفهمين مدى فداحة هذا التقييد عندما تعودين إلى "الوطن"؛ وهو شعور بدا غريباً بعض الشيء لمراهقة تنتقل إلى مكان جديد، بكل جمال الوطن ولكن أيضاً بكل التحديات التي تأتي مع دولة تحت الاحتلال السياسي. لذلك، فإن حلم العيش في عالم بلا حدود يطاردني منذ فترة طويلة جداً.

في بعض الأحيان لا يبدو لي الأمر منطقياً على الإطلاق أنني بحاجة إلى تأشيرة لزيارة لبنان، المكان الذي ولدت فيه! كما أنني كنت محظوظة بتجربة ما تبدو عليه الأمور عندما لا نكون مقيدين بالحدود، فأدركت مبكراً أن المسافة بين غزة ومصر هي مجرد خمس ساعات بالسيارة، وأن المسافة بين غزة ورام الله هي ساعة ونصف فقط، ويمكنني الذهاب من عمان إلى رام الله في غضون ساعتين بالسيارة. ورغم أن تلك الفترة التي امتلكنا فيها بعض الحرية كانت محدودة للغاية (وهي ميزة لا تتوفر للجميع في فلسطين)، إلا أنني أدركت كيف يمكن أن تكون المسافات نسبية بسبب العوائق السياسية. ومن هنا، جاء ألبومي الأول "مريخ" كرغبة في الحلم بعالم بلا حدود، وربما مغادرة الأرض تماماً نحو المريخ.

إيمي غودمان: وتحدثي عن آلتكِ، العود.

هدى عصفور: العود آلة قديمة، وهي واحدة من أقدم الآلات الوتريّة، ونرى شبيهات لها في موسيقى الباروك، وفي جنوب آسيا، وشمال أفريقيا، واليونان، وتركيا، وحتى الشرق الأقصى. بدأت علاقتي بالآلة في سن الـ13 عندما رأيت جدي يعزف عليها لأول مرة في تجمع عائلي في عمان. لقد غيّر ذلك اللقاء كل شيء؛ إذ رأيت ما يمكن لهذه الآلة أن تفعله في جمع الشمل وتقريب المجتمع.

إيمي غودمان: حبك للموسيقى يظهر في كل أغنية وعزف وغناء، ولكنكِ توقفتِ تماماً في عام 2023؟

هدى عصفور: في عام 2023، كانت تلك لحظة لإعادة التفكير فيما أفعله. لسنوات قبل ذلك، لم أكن مرتاحة للغناء، وكنت بحاجة إلى استراحة لأفهم نفسياً لماذا لا أريد تجربة فني بهذه الطريقة. ولكن في عام 2023، أصبح من الواضح جداً بالنسبة لي أنه يتعين علينا إعادة الأغاني والكلمات، لأن "الكلمة" أصبحت أكثر أهمية الآن. هناك مخزون لغوي كامل مرتبط بالصمود والواقع. أشياء صغيرة لم تكن تبدو منطقية طوال حياتي بدأت تبدو منطقية الآن؛ كيف كان يتحدث والداي أثناء طفولتي، كل هذه اللغة أصبحت فجأة ذات صلة وثيقة بعد الإبادة الجماعية. عندما يسألني أحدهم "كيف حالكِ؟"، لا أعرف كيف أجيب سوى بأنني "أواصل السير"، فلا مجال للاستسلام أو التعب.

لقد شعرت أيضاً ببعض الإحباط من العالم، لأن القيم التي ظننت أنها لا تزال مهمة بدت غير ذات أهمية على الإطلاق؛ فنحن ننظر إلى نظام عالمي لا يعمل أبداً ولكنه يستمر في التظاهر بأنه فعال. لذلك كان الوقت قد حان لمواجهة هذا الواقع للبقاء على قيد الحياة، ولأمنح صوتاً للأشخاص غير القادرين على التعبير عن هذه المشاعر حالياً.

إيمي غودمان: أنتِ تعيشين بين نيويورك ومصر، وتشاركين في شيء يسمى "معرض فلسطين للموسيقى" (Palestine Music Expo - PMX)؟ هل يمكنك التحدث عن هذا المشروع؟

هدى عصفور: نعم، هي منظمة تركز على خلق مساحات للموسيقيين الفلسطينيين ليكونوا مرئيين للعالم. انضممت كمتطوعة العام الماضي للمساعدة في العمل مع الموسيقيين الذين غادروا غزة ويتواجدون الآن في مصر ويعملون على موسيقاهم. إنها مساحة تجمع الموسيقيين من جميع أنحاء العالم الذين يحتاجون إلى هذا النوع من المنصات، وللتفكير معاً كموسيقيين في البنية التحتية التي نحتاجها لنكون مؤثرين في هذه الأوقات.

إيمي غودمان: هل يمكنك التحدث عن تعاونكِ مع "سوني سينغ" في مشروع "Unboundable" (غير قابل للتقييد)؟

هدى عصفور: بدأ المشروع كفكرة من مبادرة "Amplify Palestine" عام 2021، مباشرة بعد أحداث الشيخ جراح في القدس. بالنسبة لي، كانت أحداث الشيخ جراح تعني أن هناك أملاً في توحيد الجبهة الفلسطينية؛ حيث أظهر الفلسطينيون في أراضي 48 وفي جميع أنحاء فلسطين التاريخية رغبة واضحة في الاتحاد. وكان المشروع بمثابة دعوة ثقافية لمقاطعة مؤسسات دولة إسرائيل (BDS) وخلق ضغط ثقافي.

إيمي غودمان: تحدثي عن التعاونات المختلفة الأخرى.

هدى عصفور: من المهم جداً بالنسبة لي تذكير الناس بأن كل نضالاتنا مرتبطة ببعضها البعض. إن حل القضية الفلسطينية يتطلب منا العمل معاً وتفكيك العقلية الاستعمارية التي فُرضت علينا. تعاونت مؤخراً مع "السارة" (Alsarah) وأطلقنا أغنية "نعمة" من الأرشيف السوداني في التسعينيات (لفرقة عقد الجلاد)، وحالياً نعمل من خلال PMX على إنتاج 10 أغانٍ أصلية لعشرة موسيقيين من غزة يتواجدون الآن في مصر، ونحن متحمسون جداً لتقديمها للعالم.

إيمي غودمان: والآن ونحن ننتقل إلى الاستماع لأغانيكِ الثلاث، أخبرينا لماذا اخترتِ هذه الأغاني بالذات؟

هدى عصفور: القطعة الأولى مميزة جداً لأنها كانت أول تعاون لي مع راقصة (راقصة فلامنكو سورية)، وكان من المهم جداً بالنسبة لي إبراز هذا التعاون العربي المشترك، لأن المسافات تجعلنا ننسى أحياناً ما يجمعنا.

الأغنية الثانية هي تأمل ساخر في المسرحية السياسية الحالية؛ الأشخاص الذين يدعون للتغيير ولكنهم لا يتغيرون، والذين يدعون للمقاطعة ولكن أولوياتهم مختلفة.

إيمي غودمان: وماذا يعني "ناقوس"؟

هدى عصفور: الناقوس باللغة العربية هو الجرس الكبير، ويُستخدم عادة في الكنائس أو للإعلان عن الحرب والطوارئ، واخترت هذا الاسم لأنني شعرت أن هناك حاجة ملحة لكي ينتبه الناس؛ كمن يدق جرس الإنذار.

إيمي غودمان: وقبل أن ننتقل للأغاني، أخبرينا ماذا يعني اسم عائلتكِ "عصفور" باللغة العربية؟

هدى عصفور: عصفور يعني "الطائر" (Bird).

إيمي غودمان: إذن، لنحلق مع أغاني هدى عصفور. شكراً جزيلاً لإنضمامكِ إلينا.

العرض الموسيقي (تفاصيل الأغاني المؤداة):

هدى عصفور: [تؤدي أغنية "عبق"]

هدى عصفور: الأغنية الثانية هي ملاحظة ساخرة لأحوالنا الحالية والمسرحية السياسية، والأشياء غير المنطقية التي نسمعها. اسمها "حكي"، ومضمونها يتحدث عن "الحكي، الحكي، الحكي.. استمروا في الكلام، والقرارات الدولية التي تستمر في الصدور..."، وتسأل الأغنية: "ما هو التغيير على أي حال إن لم تغير نفسك أولاً وأنت تدعو له؟". [تؤدي أغنية "حكي"].

هدى عصفور: الأغنية الأخيرة هي ثلاثية كتبتها مستوحاة من "الحضرة" (وهي شكل من أشكال التجلي الروحي والصوفي في الموروث العربي والإسلامي). وتتكون من ثلاثة أجزاء؛ الجزء الأول اسمه "خطر"، والثاني "طمع"، والأخير "دراويش"، وأعتقد أن هذا المسار يفسر نفسه. [تؤدي أغانٍ "خطر"، "طمع" و"دراويش"].