مقالات

ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على غزة...

ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على غزة...

ألف يوم على الحرب الإسرائيلية على غزة...

ألف يوم... ليست رقمًا في التقويم، بل عمرٌ كامل من الوجع.

هناك، لا تُقاس الأيام بالشمس التي تشرق وتغيب، بل بمن بقي حيًا حتى المساء، ومن رحل، وبمن فقد بيته أو أهله أو جزءًا من روحه.

كل يوم بألف سنة، وكل ساعة بعمر كامل، وكل دقيقة تحمل من الألم ما تعجز الكلمات عن وصفه.

كل صباح يتفقد الغزّي نفسه: هل ما زال بين الأحياء، أم أصبح في عداد الأموات وهو لا يكاد يبين؟

الحرب على غزة لا تُقاس بالأيام، ولا بعدد الشاحنات التي دخلت أو مُنعت من الدخول.

الحرب على غزة ليست مسلسلًا، ولا خبرًا عابرًا، ولا مادةً للنقاش على الشاشات.

إنها معاناة إنسانية مستمرة، وحرب خلّفت دمارًا واسعًا وآثارًا مادية ونفسية عميقة.

لم يسلم منها بشر ولا حجر، ولا ماء ولا دواء، ولا بيت ولا مدرسة ولا مستشفى.

لم تفرّق بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وشيخ.

وغزة تسأل العالم:

ما ذنبنا؟ وما الذي اقترفناه حتى نعاقب بهذا الشكل؟

هل جريمتنا أننا فكرنا بالمقاومة؟

هل جريمتنا أننا ننظر إلى قرانا ومدننا التي هُجّر منها أهلنا؟

هل جريمتنا أننا نعيش على أرضنا؟

هل جريمتنا أننا نطالب بحقنا في الحرية والعيش الكريم؟

ومن يقول إن كل ما جرى بدأ في السابع من أكتوبر، ويحمّل قطاع غزة وحده المسؤولية، فإن أهل غزة يقولون إن جذور الصراع تمتد إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة، منذ التهجير والاقتلاع وفقدان البيوت والقرى.

بيوتنا ليست المرة الأولى التي تُدمّر فيها.

وقرانا التي ما زالت على مرمى البصر دُمّرت من قبل، وأُحرقت أشجارها، وجُرفت مزارعها، وطُمست آبارها.

وماذا ترك لنا الاحتلال؟

عدوانًا يتكرر، وقتلًا لا ينتهي، ودمارًا يتجدد، بينما يقف العالم متفرجًا.

اسألوا أهل غزة: من أين أنت؟

سيجيبك أحدهم: من هربيا، وآخر من المسمية، وثالث من المجدل، وآخر من السدود، وهذا من السوافير، وذاك من الفالوجة، وجاره من سمسم... وكل العيون ما زالت تتطلع إلى هناك.

وهذه مخيمات جباليا، والشاطئ، وبيت لاهيا، والمغازي، ودير البلح، والبريج، والنصيرات، وخان يونس، ورفح... ما زالت شاهدة على اللجوء الممتد، وعلى معاناة توارثتها الأجيال.

وما زالت البيوت المتواضعة، التي احتمى تحت أسقفها اللاجئون من حر الصيف وبرد الشتاء، شاهدة على سنوات طويلة من الكفاح من أجل البقاء.

أجيال تعاقبت على هذه البيوت، وتعب الآباء والأبناء لبناء غرفة فوق غرفة، أو لشراء قطعة أرض صغيرة، ثم ضاع كثير مما بنوه.

ألف يوم على حرب جاءت فوق جراح عمرها أكثر من قرن، وما زال شعبنا يعيش بين المعاناة والانتظار.

معاناة في التعليم، والعمل، والسفر، والعلاج، وتأمين لقمة العيش، وبناء الأسرة، ومستقبل الأبناء.

غزة حاضرة في المعاناة... وغائبة عن الحلول.

لكن الزمن لا ينسى.

قد تتحول المآسي في نشرات الأخبار إلى أرقام، أما في غزة فلكل رقم اسم، ولكل اسم حكاية، ولكل حكاية بيتٌ هُدم، أو أمٌ ثكلت، أو طفلٌ حُرم من مستقبله.

قد يطول الزمن، لكن الحقوق لا تسقط بالتقادم، والذاكرة لا تُهزم، والشعوب التي تتمسك بأرضها لا يمحوها الدمار.

لن ننسى، ولن نتخلى عن حقنا، وسيبقى الزمن شاهدًا على ما جرى... مهما طال الانتظار..