مقالات

الحرب على الوعي... عندما يصبح الإنسان ساحة المعركة

الحرب على الوعي... عندما يصبح الإنسان ساحة المعركة

بقلم:

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الصواريخ أو مساحة الأراضي التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على إعادة تشكيل وعي المجتمعات. فمن ينجح في التأثير على طريقة تفكير الناس، وإعادة تعريف الحقائق في أذهانهم، يمتلك أداة قد تكون أكثر فاعلية من القوة العسكرية نفسها.

في عام 1984، قدم المنشق السوفيتي يوري بيزمينوف تصورًا مثيرًا للجدل حول ما سماه "التخريب الأيديولوجي". لم تكن الفكرة الأساسية في حديثه أن إسقاط الدول يبدأ بالدبابات، بل أن المجتمعات قد تُستنزف من الداخل عندما تتآكل منظومتها القيمية، ويضعف تعليمها، وتتراجع ثقتها بالمؤسسات، وتصبح عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والدعاية. ورغم أن كثيرًا من الباحثين ينظرون إلى أطروحاته بوصفها جزءًا من سياق الحرب الباردة وليست نظرية علمية مكتملة، فإنها تثير سؤالًا يستحق التأمل: ماذا يحدث عندما يصبح الوعي نفسه هدفًا للصراع؟

لو تأملنا واقعنا الفلسطيني اليوم، سنجد أن الحرب لم تقتصر على تدمير الأبراج والطرق والمستشفيات، بل امتدت إلى ما هو أعمق. فقد تعرض الإنسان الفلسطيني لضغط نفسي واجتماعي ومعرفي هائل. أجيال كاملة عاشت القصف والنزوح وفقدان الأحبة وانقطاع التعليم، وفي الوقت نفسه أصبحت محاصرة بسيل لا ينقطع من الأخبار، والصور، والتحليلات، والشائعات، والدعاية المتبادلة.

في مثل هذه الظروف، لا يصبح السؤال: "ما الذي حدث؟"، بل: "من ينجح في تفسير ما حدث؟". وهنا تبدأ معركة الرواية، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية. فالرواية ليست مجرد قصة تُروى، بل هي التي تصوغ الذاكرة الجماعية، وتحدد من هو الضحية، ومن هو المعتدي، وما الذي يجب الدفاع عنه.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع بعد الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل اعتياد الناس على الانقسام، وفقدان الثقة، وتحول الشك إلى أسلوب حياة. عندما يصبح الجميع يشك في الجميع، وعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام سرعة تداول المعلومة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتأثر بأي خطاب يستثمر في الخوف أو الغضب.

ولعل ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعي يعكس هذا التحول بوضوح. فخوارزميات هذه المنصات لا تكافئ الحقيقة بالضرورة، بل تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه. وهكذا تتحول المشاعر إلى وقود للنقاش العام، بينما يتراجع التفكير الهادئ والتحليل الرصين. وفي بيئة تعيش أصلًا آثار الحرب، تصبح هذه الحالة أكثر خطورة لأنها تعمق الانقسام وتستنزف الطاقة المجتمعية.

لهذا، فإن الحديث عن إعادة إعمار غزة يجب ألا يقتصر على الإسمنت والحديد والكهرباء. فإعادة بناء الإنسان أكثر تعقيدًا من إعادة بناء المباني. الطفل الذي انقطع عن التعليم يحتاج إلى أكثر من مدرسة، والشاب الذي عاش سنوات من الحرب يحتاج إلى أكثر من فرصة عمل؛ يحتاجان إلى بيئة تستعيد الثقة، وتشجع التفكير النقدي، وتحميهما من الاستسلام لليأس أو للخطابات التي تختزل الواقع في ثنائيات حادة لا تترك مساحة للعقل.

إن التعليم، في هذا السياق، ليس خدمة عامة فحسب، بل مشروع وطني طويل الأمد. فهو المؤسسة التي تُنتج المواطن القادر على طرح الأسئلة، لا مجرد تكرار الإجابات. وهو الذي يمنح المجتمع مناعة ضد التضليل، سواء جاء من خصم خارجي أو من انقسام داخلي.

لقد أثبتت التجارب أن الدول قد تتعافى من الدمار المادي خلال سنوات، لكنها تحتاج إلى عقود إذا تعرض وعيها الجمعي للتآكل. فالجسور يمكن إعادة بنائها، أما الثقة بين الناس، والإيمان بالمستقبل، والقدرة على الحوار، فهي مشاريع تحتاج إلى وقت وإرادة واستثمار حقيقي.

لذلك، فإن معركة الفلسطيني في المرحلة المقبلة ليست معركة إعادة الإعمار فقط، ولا معركة السياسة وحدها، بل هي أيضًا معركة حماية الوعي. لأن المجتمع الذي يحافظ على وعيه، حتى وهو يمر بأقسى الظروف، يملك فرصة للنهوض. أما المجتمع الذي يخسر وعيه، فإنه قد يجد نفسه مهزومًا حتى بعد أن تتوقف الحرب.

لقد تغير شكل الصراعات، وأصبحت الجبهة الأولى هي الإنسان نفسه. ومن هنا، فإن حماية العقل، وصيانة التعليم، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار، ليست قضايا ثقافية هامشية، بل أصبحت من أهم ركائز الأمن الوطني ومستقبل المجتمع الفلسطيني.