مقالات

" ماهر يونس… الفارس الذي لم يترجّل"

" ماهر يونس… الفارس الذي لم يترجّل"

ليس الموت هو ما يطوي سيرة الرجال الكبار، بل النسيان… وأمثال ماهر يونس لا يعرفون إلى النسيان طريقًا.

ترجّل اليوم الفارس، لكن صهيله سيظل يتردد في ذاكرة فلسطين، وستبقى خطاه محفورةً على دروبها، لأن الذين يهبون أعمارهم للأوطان لا يرحلون عنها، بل يعودون إليها أكثر حضورًا، وأكثر خلودًا.

رحل ابن عارة… ذاك الذي لم يعش عمره كما يعيش الناس أعمارهم، بل عاشه مشروعًا للتضحية، ورسالةً للصبر، وشاهدًا على أن الإنسان قد يُقيَّد جسده، لكن إرادته تبقى عصيّةً على القيود.

أربعون عامًا…

ليس رقمًا يُكتب في سيرة، ولا زمنًا يُروى في خبر، بل حياةٌ كاملة اختطفها الاحتلال من رجل، فعجز أن ينتزع منها إيمانها، أو يكسر شموخها، أو يطفئ جذوة الوطن المشتعلة في قلبها.

أربعون عامًا كانت كافية لأن تتبدل خرائط، وتتغير أجيال، ويرحل أحبة، ويولد آخرون… لكن ماهر يونس بقي ثابتًا، كأنه آخر الحراس الواقفين على أسوار الكرامة، لا يساوم، ولا ينكسر، ولا يسمح لليل السجن أن ينتصر على فجر الحرية.

كان يعرف أن السجن ليس جدرانًا، بل امتحانًا للأرواح. فنجح في الامتحان، وخرج من بين الركام أكثر صفاءً، وأكثر اتساعًا، وأكثر يقينًا بأن الحرية لا تُقاس بباب زنزانة يُفتح، بل بضميرٍ لم يُهزم، وإرادةٍ لم تنحنِ.

ولمّا عانق الشمس بعد أربعة عقود، لم يكن يحتفل بخلاصه الشخصي، بل كان يحمل في ملامحه وجوه رفاقٍ تركهم خلف القضبان، ويقول بصمته إن الحرية لا تكتمل ما دام في فلسطين أسيرٌ واحد ينتظر الفجر.

واليوم، يرحل ماهر يونس…

يرحل جسدًا، لكن كيف يرحل من صار جزءًا من الذاكرة الوطنية؟

كيف يغيب من كتب اسمه على جدار الزمن لا بالحبر، بل بالصبر؟

وكيف يموت من جعل من سنوات القهر سلّمًا يصعد به إلى مقام الخالدين؟

إن الرجال العظام لا يقاسون بطول أعمارهم، بل بما منحوه لأوطانهم. وماهر يونس منح فلسطين أغلى ما يملك الإنسان… عمره كله.

سلامٌ عليك يا ابن عارة…

يوم اخترت الوطن طريقًا لا رجعة عنه.

ويوم حملت أربعين عامًا من الأسر كما يحمل الأنبياء رسالاتهم؛ بصبرٍ لا يتزحزح، وإيمانٍ لا يتبدل.

ويوم عدت إلى الحرية، مرفوع الرأس، كما يعود المنتصرون الذين لم يهزمهم السجن.

ويوم ودّعت الدنيا، تاركًا خلفك وطنًا يعرف أن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدموع أمهاتهم، وصبر آبائهم، ووجع سنيهم، لا يغيبون… لأنهم يصبحون جزءًا من ضمير الأمة.

نم هادئًا أيها الفارس…

فقد أديت رسالتك كاملة، وكتبت اسمك في سفر فلسطين بحروفٍ لا يمحوها الزمن.

ستبقى، ما بقي الزيتون شاهدًا، وما بقيت القدس قبلةً للقلوب، وما بقي في فلسطين طفلٌ يحلم بالحرية…

ستبقى ماهر يونس…

ليس اسمًا في سجل الأسرى،

ولا خبرًا في نشرةٍ إخبارية،

بل قامةً وطنيةً من قامات فلسطين، ورايةً من رايات الصبر، وحكايةً ستظل تُروى كلما أراد هذا الشعب أن يعلّم أبناءه كيف يكون الرجال.