مقالات

ألف يوم من الحرب... ماذا كشفت الحرب عن السياسة الإسرائيلية؟ (2/3)

ألف يوم من الحرب... ماذا كشفت الحرب عن السياسة الإسرائيلية؟ (2/3)

إذا كان الجزء الأول قد توقف عند ما كشفته الحرب في مستوى العقيدة الأمنية، وحدود القوة العسكرية، والمجتمع، والاقتصاد، فإن الانتقال إلى الداخل السياسي الإسرائيلي يفتح أسئلة لا تقل أهمية. فالحروب الطويلة لا تختبر قدرة الدول على القتال والتمويل والصمود فقط، بل تختبر أيضًا قدرة أنظمتها السياسية على إنتاج قيادة فاعلة، والحفاظ على تماسك المجتمع، وإدارة التحالفات التي تقوم عليها استراتيجياتها الكبرى.

فهل نجحت الحرب في إعادة بناء التوافق السياسي داخل إسرائيل بعد انقسامات ما قبل السابع من أكتوبر؟ وهل استطاعت القيادة الإسرائيلية الحفاظ على وحدة القرار مع امتداد الحرب إلى جبهات متعددة؟ ثم ماذا كشفت الحرب عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة: هل بقيت تحالفًا استراتيجيًا يمنح إسرائيل حرية الحركة، أم كشفت حدود القرار الإسرائيلي عندما تتداخل أولويات واشنطن مع حسابات تل أبيب؟

هذه الأسئلة تحاول قراءة جانب آخر من حصيلة ألف يوم من الحرب، بعيدًا عن ميادين القتال، لفهم ما أحدثته الحرب في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، وفي طبيعة التحالف الذي شكل لعقود أحد أهم مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي.

أولًا: من وحدة الطوارئ إلى أزمة القيادة

في 30 يونيو/حزيران 2026، ومع اقتراب الحرب من إتمام ألف يوم، دعا رئيس دولة إسرائيل إسحاق هرتسوغ، في كلمته أمام مؤتمر هرتسليا، إلى "إعادة صياغة العقد الاجتماعي الإسرائيلي"، محذرًا من تحول المجتمع الإسرائيلي إلى "مجموعة من الجزر المنفصلة" في حال استمرار حالة الاستقطاب والانقسام. ولم تكن هذه الدعوة مجرد خطاب سياسي، بل بدت أقرب إلى تقييم رسمي لمسار الحرب وتداعياتها الداخلية، بما يعكس إدراكًا على أعلى مستويات الدولة بأن التحدي لم يعد مقتصرًا على إدارة الجبهات العسكرية، بل امتد ليشمل قدرة النظام السياسي على الحفاظ على التماسك الوطني وإنتاج قيادة تحظى بثقة عامة خلال حرب طويلة الأمد.

من هذا المنظور، لم تكشف الحرب عن نقص في القيادات داخل إسرائيل، بقدر ما أبرزت صعوبة متزايدة لدى النظام السياسي في إنتاج قيادة تحظى بثقة واسعة وقادرة على الحفاظ على وحدة القرار. وقد تجلى ذلك منذ الأيام الأولى للحرب، عندما تشكلت حكومة الطوارئ بانضمام بني غانتس وغادي آيزنكوت إلى حكومة بنيامين نتنياهو، في خطوة عكست إدراكًا داخل النخبة السياسية بأن إدارة أخطر حرب تواجهها إسرائيل منذ عقود تتطلب إطارًا قياديًا أوسع من حدود الائتلاف الحاكم.

غير أن هذه الوحدة كانت استجابة ظرفية لصدمة استثنائية، ولم تتطور إلى توافق سياسي مستدام. ومع استمرار الحرب، عادت الخلافات إلى الواجهة بشأن أهدافها، وإدارة ملف الأسرى، وترتيبات "اليوم التالي"، وحدود العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري، قبل أن تنتهي بخروج غانتس وآيزنكوت من حكومة الطوارئ وعودة الاستقطاب إلى صدارة المشهد السياسي.

ولم يقتصر هذا التحول على النخبة السياسية، بل انعكس أيضًا على مستوى ثقة الجمهور بالقيادة. ففي استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في مارس/آذار 2025، رأى 87% من الإسرائيليين أن على نتنياهو تحمل المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر، فيما أيد 72.5% استقالته فورًا أو بعد انتهاء الحرب. وفي يوليو/تموز 2025، لم تتجاوز نسبة الثقة بنتنياهو 40% في العينة العامة، مقابل 68.5% لرئيس الأركان إيال زامير. أما في يونيو/حزيران 2026، فقد رأى 61% من الإسرائيليين أنه لا ينبغي لنتنياهو الترشح في الانتخابات المقبلة.

ومع مرور الوقت، تجاوزت أزمة القيادة حدود الخلاف بين الحكومة والمعارضة، لتشمل العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والقضائية. ولم يقتصر الجدل على إقالة رئيس الشاباك ووصولها إلى المحكمة العليا، بل امتد أيضًا إلى تعيين رئيس جديد للموساد، بعدما أُحيط التعيين باعتراضات وطعون قضائية قبل أن تُقره المحكمة العليا في نهاية المطاف، بما عكس انتقال الخلاف من إدارة الحرب إلى إدارة مؤسسات الدولة نفسها.

وبذلك، فإن الوحدة التي فرضتها صدمة السابع من أكتوبر لم تتحول إلى توافق سياسي مستدام. فمع امتداد الحرب، عادت الانقسامات الحزبية والمؤسسية إلى الواجهة، وامتدت من الخلاف بين الحكومة والمعارضة إلى العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والقضائية، لتصبح أزمة القيادة إحدى أبرز النتائج الداخلية التي كشفتها الحرب.

ثانيًا: الحرب أجّلت الانقسام... ثم أعادت تشكيله

جاءت حرب السابع من أكتوبر في لحظة كانت إسرائيل تعيش واحدة من أكثر مراحلها انقسامًا، على خلفية أزمة الإصلاحات القضائية وما رافقها من احتجاجات وصدامات سياسية ومجتمعية غير مسبوقة. لذلك، ساد في الأيام الأولى للحرب اعتقاد بأن الخطر الأمني الوجودي قد يدفع الإسرائيليين إلى تجاوز أزمتهم الداخلية، أو على الأقل تجميدها إلى حين انتهاء الحرب.

غير أن امتداد الحرب كشف حدود هذا الاعتقاد. فبدل أن تتحول إلى مدخل لمعالجة الأزمة البنيوية التي سبقتها، تفاعلت مع الواقع السياسي القائم ومع ضعف القيادة، فأعادت الخلافات القديمة إلى الواجهة، وأضافت إليها خطوطًا جديدة مرتبطة بإدارة الحرب نفسها. وبذلك، لم تعد الحرب عاملًا خارجيًا فرض وحدة مؤقتة، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة في إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل.

ولم يعد هذا التقدير مجرد قراءة للوقائع السياسية، بل أصبح حاضرًا أيضًا في الأدبيات الإسرائيلية. ففي دراسة «حرب السيوف الحديدية: التحولات في الساحات العالمية والإقليمية والإسرائيلية»، الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، اعتُبر أن من أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب تعميق الاستقطاب داخل السياسة والمجتمع الإسرائيلي، بما يجعل الانقسام أحد التداعيات الداخلية للحرب، وليس مجرد أزمة سبقتها.

وتؤكد استطلاعات الرأي أن هذا التحول لم يقتصر على تقديرات مراكز الأبحاث، بل انعكس أيضًا في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي. ففي استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – يونيو/حزيران 2026، بلغت نسبة الثقة بالحكومة 57% بين مؤيدي الائتلاف، مقابل 5% فقط بين مؤيدي المعارضة، وهو فارق لا يعكس اختلافًا في تقييم الحكومة فحسب، بل يكشف أن الحرب نفسها أصبحت موضوعًا للاستقطاب السياسي. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 66% من الإسرائيليين يرون أن مستوى التضامن داخل المجتمع ضعيف أو محدود، وترتفع هذه النسبة إلى 80% بين مؤيدي المعارضة.

ولم تعد الانقسامات تدور حول القضايا التي سبقت السابع من أكتوبر، مثل الإصلاح القضائي والعلاقة بين الدين والدولة، بل امتدت إلى ملفات فرضتها الحرب نفسها، وفي مقدمتها الأولوية بين استعادة الأسرى واستمرار العمليات العسكرية، ومستقبل قطاع غزة، وقانون تجنيد الحريديم، وتوزيع أعباء الحرب، وحدود العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية. وهكذا، أصبحت الحرب نفسها موضع خلاف داخلي، بعد أن كانت في بدايتها عاملًا لتأجيل الخلاف.

وبذلك، فإن الحرب لم تنه الانقسام الإسرائيلي، كما لم تُبقِه على صورته السابقة. فقد أجّلت انفجاره في مرحلة الصدمة الأولى، لكنها مع امتدادها أسهمت في تعميقه وإعادة تشكيله، لتجد إسرائيل نفسها، بعد ألف يوم من الحرب، أمام مجتمع أكثر انقسامًا واستقطابًا، وخريطة خلافات أكثر اتساعًا وتعقيدًا مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.

ثالثًا: عندما أصبحت واشنطن شريكًا في الحرب... ماذا عن الاستقلالية؟

كشفت ألف يوم من الحرب أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تعد مجرد مظلة دعم عسكري وسياسي لإسرائيل، بل تحولت في لحظات مفصلية إلى علاقة مشاركة في إدارة الحرب وضبط نهاياتها. فواشنطن لم تكتفِ بتزويد إسرائيل بالسلاح والدعم الدبلوماسي، بل تدخلت في رسم مسارات غزة ولبنان وإيران، بما جعل قوة التحالف تكشف في الوقت نفسه حدود القرار الإسرائيلي المستقل.

ولم يظهر هذا التحول في الخطاب السياسي فقط، بل في إدارة الحرب نفسها. ففي غزة، تحولت خطة ترامب لوقف الحرب إلى الإطار السياسي الذي دفع باتجاه وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. فقد أعلن ترامب ونتنياهو الخطة في البيت الأبيض في 29 سبتمبر/أيلول 2025، قبل أن تحظى بدعم دولي واسع، وتتحول إلى مسار لإنهاء أطول جبهة في الحرب. ورغم أن نتنياهو قدّم الخطة بوصفها إنجازًا، فإن دلالتها الأعمق كانت أن واشنطن انتقلت من دعم الحرب إلى هندسة نهايتها.

وفي الجبهة الإيرانية، بلغ التحالف مستوى غير مسبوق مع المشاركة الأمريكية المباشرة في الحرب ضد إيران. لكن هذا الانخراط كشف أيضًا أن الشراكة لا تعني تطابق الأهداف. فبعد أن اتجهت واشنطن إلى تثبيت وقف الحرب وفتح مسار تفاوضي مع طهران، برزت اعتراضات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية على أن الترتيبات لا تعالج كامل المخاوف المرتبطة بإيران وحزب الله ولبنان. وقد انعكس ذلك لاحقًا في ترتيبات لبنان التي تمت بوساطة أمريكية، بما أكد أن واشنطن لم تكن شريكًا في التصعيد فقط، بل في إدارة ترتيبات ما بعد التصعيد أيضًا.

وازدادت دلالة هذا التحول مع اللغة العلنية التي استخدمها ترامب وإدارته تجاه إسرائيل. فقد قال ترامب في يونيو/حزيران 2026 إنه لولاه "لما كانت إسرائيل موجودة"، في تصريح أعاد إبراز حجم الاعتماد الإسرائيلي على واشنطن بصورة غير معهودة في خطاب الحلفاء. كما وجّه نائبه جي دي فانس تحذيرًا قاسيًا لمنتقدي الاتفاق مع إيران داخل إسرائيل، مؤكدًا أن ترامب هو الزعيم الوحيد تقريبًا المتعاطف مع إسرائيل في العالم، في إشارة إلى حدود ما يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تفعله عندما تختلف مع الراعي الأمريكي الأكبر.

بهذا المعنى، لم تكشف الحرب ضعف التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، بل كشفت طبيعته المركبة. فهو تحالف يمنح إسرائيل قوة استثنائية، لكنه يجعل قرارات الحرب الكبرى، من غزة إلى إيران ولبنان، مرتبطة بدرجة عالية بالحسابات الأمريكية. وكلما ازداد حضور الولايات المتحدة في إدارة الحرب، ازداد انكشاف حدود القرار الإسرائيلي المستقل. ولذلك، فإن أحد دروس ألف يوم من الحرب أن إسرائيل تستطيع أن توسع هامش قوتها بفضل واشنطن، لكنها لا تستطيع دائمًا أن توسع هامش قرارها بالقدر نفسه.

بهذا المعنى، لا تقف حصيلة ألف يوم من الحرب عند حدود ما أحدثته في القيادة والانقسام والتحالف مع الولايات المتحدة. فهذه التحولات السياسية تفتح سؤالًا أوسع عن قدرة إسرائيل، بعد هذه الحرب، على إنتاج استراتيجية كبرى جديدة: استراتيجية لا تكتفي باستخدام القوة، بل تحاول تحويلها إلى أمن مستدام، ونظام إقليمي قابل للاستمرار، وداخل قادر على حمل كلفتها.