رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السماء
ليست كلُّ الشهادات سواء، فثمة شهداءُ يكتبون سيرتهم بالبطولة في ساحات القتال، وثمة شهداءُ يكتبونها بالجوع والصبر والكرامة وهم يبحثون عن كسرة خبزٍ لأطفالهم. ورامز طلعت محمد عودة كان واحدًا من أولئك الذين حملوا أوجاع شعبهم على أكتافهم، ومضوا إلى الله بقلوبٍ عامرة بالإيمان والوفاء.
في الذكرى الأولى لاستشهاده، لا أكتب عن شهيدٍ من أبناء عائلتي فحسب، ولا عن ابن أختي الذي عرفته طفلًا وشابًا ورجلًا، بل أكتب عن حكاية إنسانٍ فلسطيني اختزلت سيرته وجع غزة كلها؛ اليُتم، والتهجير، والجوع، والحصار، ثم الشهادة.
وكأن الله قد كتب له موعد الرحيل قبل أن يحين، فجاءته أمُّه الراحلة، نجاح إبراهيم فودة، في المنام قبل يومٍ واحدٍ من استشهاده، وقالت له: "تعال عندي يا رامز". لم يكن حلمًا عابرًا، بل كان نداءً أخيرًا من أمٍّ اشتاقت لولدها، فحمل رامز كلماتها في قلبه، دون أن يدرك أن ساعاتٍ قليلةً فقط تفصله عن اللقاء.
في مساء يوم الأحد، ودَّع أفراد أسرته وغادر مخيم النزوح الذي آواه بعد تهجيره من مخيم جباليا، متوجهًا إلى النصيرات برفقة صديقه ثائر أبو دلاخ. كانت زيارةً عاديةً في ظاهرها، لكنها كانت الفصل الأخير من كتاب عمره القصير.
وفي صباح يوم الاثنين الموافق الثامن والعشرين من تموز/ يوليو 2025، خرج برفقة صديقه بحثًا عن لقمة الخبز في زمن المجاعة، وعن شيءٍ يسدُّ رمق الأطفال في زمن الحصار. لم يكن يحمل إلا قلبًا أنهكته الحرب، وأمنيات أبٍ يحلم أن يعود إلى طفليه بما يخفف عنهما قسوة الأيام.
لكنَّ رصاص الاحتلال كان أسرع من أحلامه.
أصابته رصاصةٌ متفجرةٌ غادرةٌ في رأسه، فقطَّعت شريان الحياة، وتركته ينزف أكثر من أربع ساعاتٍ كاملةً على الأرض، بلا إسعافٍ عاجلٍ ولا يدٍ تمتدُّ إليه لتنقذه. كان الموت يقترب منه رويدًا رويدًا، فيما كانت روحه تستعدُّ لرحلتها الأخيرة.
نُقل إلى مستشفى العودة، ومنها إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك وقف شقيقه محمد، وزوج أخته هيثم، وحسام، وأبناء عمومته، يتشبثون بأملٍ أخيرٍ في نجاته. لكن الله كان قد اختاره إلى جواره، فارتقى شهيدًا في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد صراعٍ مؤلمٍ مع الإصابة.
وفي لحظاته الأخيرة، طلب أن يُكلم طفلته "نجاح"، ونطق باسمها بصوتٍ أنهكه النزيف، ثم أسلم روحه إلى بارئها. وكأن آخر ما أراد أن يحمله معه من هذه الدنيا، اسم طفلته التي منحها اسم أمه الراحلة، ليبقى الحب ممتدًا بين ثلاثة قلوبٍ فرَّقتها الأرض وجمعتها السماء.
وُلد رامز في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1999، يتيمًا من الأب والأم قبل أن يكتمل شبابه، فوالده المرحوم طلعت محمد عودة، ووالدته الراحلة نجاح إبراهيم فودة. لكنه لم يسمح لليُتم أن يكسر روحه، بل صنع من ألمه إنسانًا جميلًا، عُرف بين الناس بأناقته، وابتسامته، ونقاء قلبه، وصدق وفائه.
درس في مدارس الفاخورة التابعة لوكالة الغوث في مخيم جباليا، وتزوج من السيدة روان عاشور، ورُزق بطفلين أسماهما "نجاح" و"طلعت"، وفاءً لوالديه اللذين رحلا مبكرًا عن هذه الدنيا. وكأن رامز أراد أن يبقيهما حيَّين في كلِّ مرةٍ ينادي فيها طفليه باسميهما.
كان سندًا لأخيه محمد، وأمانًا لأخواته: رندة، وسماهر، ورموز، وهديل، حتى إن خبر استشهاده أسقط الدموع والإغماء معًا من شدة الفاجعة. لقد كان الذكر الوحيد المتبقي في الأسرة، والسند الذي احتمى به الجميع بعد رحيل الوالدين.
أما على الصعيد الوطني، فقد كان أحد أبناء حركة "فتح" المخلصين، ومن كوادر كتائب شهداء الأقصى - لواء العامودي، وخضع لعددٍ من التدريبات العسكرية، وعُرف بين رفاقه بالالتزام والانضباط والشجاعة وحسن الخلق. كان رجل الميدان الذي لا يتأخر عن واجبٍ وطني أو اجتماعي، فاستحقَّ محبة كلِّ من عرفه.
ولعلَّ أكثر ما يُوجع في حكاية رامز، أنه لم يستشهد وهو يبحث عن نفسه، بل وهو يبحث عن الحياة لغيره. خرج من أجل أطفاله، ومن أجل لقمة الخبز، ومن أجل الجوعى الذين أصبحوا يخوضون معركة البقاء كلَّ يوم.
لقد كان شهيدًا للمجاعة والحصار، كما كان شهيدًا للوطن والكرامة.
ولأن الحرب لا تكتفي بسرقة الأرواح، فقد سرقت من والدته أمنيتها الأخيرة أيضًا، فلم يُدفن بدايةً في مقبرة العائلة كما تمنَّت، بل ووري الثرى مؤقتًا في دوار حسبة السمك المحاذي لشاطئ بحر غزة، قبل أن يُنقل جثمانه الطاهر بعد أشهرٍ إلى مقبرة بيت لاهيا، ليعود أخيرًا إلى تراب الشمال الذي أحبَّه وعاش فيه.
عامٌ كاملٌ مضى على رحيلك يا رامز، وما زالت صورتك تسكن الذاكرة، وما زالت ابتسامتك معلقةً على جدران القلوب، وما زال طفلاك يبحثان عن دفء يديك بين الصور والدعوات.
سيكبر "نجاح" و"طلعت"، وسيعلمهما الناس أن أباهما لم يكن مجرد شهيدٍ حمل رقمًا في سجلات الموت، بل كان رجلًا حمل وطنًا صغيرًا في قلبه، اسمه عائلته، وحمل وطنًا كبيرًا في وجدانه، اسمه فلسطين.
وسيأتي يومٌ يقفان فيه بفخرٍ أمام اسمك، ليقولا: كان لنا أبٌ خرج يبحث عن الخبز، فعاد إلى أمِّه في السماء شهيدًا.
رحمك الله يا رامز، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجمعك بأمك وأبيك في مستقرِّ رحمته، وألهم زوجتك وأطفالك وإخوتك وأحبتك جميل الصبر وحسن العزاء.
أما أنت يا رامز، فقد رحلت عن أعيننا، لكنك بقيت في قلوبنا شاهدًا على زمنٍ أصبح فيه البحث عن الخبز طريقًا إلى الشهادة.
المجد للشهداء، والخلود لذكراهم الطاهرة.