مقالات

عندما تورث القبيلة الأجيال الجديدة بعادات الفشل القديمة

عندما تورث القبيلة الأجيال الجديدة بعادات الفشل القديمة

لم نغادر القبيلة يومًا، حتى يُقال إننا ارتددنا إليها؛ كل ما فعلناه أننا نقلناها معنا من الخيمة إلى الحزب، ومن العشيرة إلى المؤسسة، ومن ساحة الفزعة إلى فضاء السياسة. غيّرنا الأسماء والرايات، لكننا أبقينا العقل ذاته جالسًا في صدر المجلس.

ما زلنا محكومين بذلك الخوف البدائي من العار؛ عار أن نعترف بأننا أخطأنا، أو أن نقول، ولو مرة، إننا هُزمنا، أو إن الطريق الذي مشينا فيه طويلًا لم يكن بالضرورة الطريق الصحيح. فالهزيمة عندنا ليست واقعة تستدعي المراجعة، بل فضيحة تستوجب الإنكار، والخطأ ليس فرصة للتعلم، بل تهمة تحتاج إلى متهم جديد.

ولهذا، لا تزال بنيتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية عاجزة عن احتمال النقد؛ لأن النقد، في عرف القبيلة، ليس فعلًا من أفعال العقل، بل خيانة للصف. ومن يجرؤ على السؤال يُتهم، ومن يراجع يُخوَّن، ومن يعترض يُقصى، ومن يحاول أن يفتح نافذة في جدار اليقين يُقال له، بعبارات مختلفة، إن القبيلة لا تخطئ، وإن العيب دائمًا في الآخرين.

وهكذا، نستبدل الحوار بالاصطفاف، والمراجعة بالتخوين، والنقد بالتكفير السياسي، ثم نتساءل، بكل جدية، لماذا لا تتغير أحوالنا....!

لقد صدق محمود درويش حين قال: "سنصير شعبًا عندما ننسى ما تقول لنا القبيلة"، لكن يبدو أننا، بدل أن ننسى ما تقوله القبيلة، قررنا أن نمنحها أجهزة إعلام، وأحزابًا، ومؤسسات، ومكاتب سياسية، وربما قريبًا نمنحها منصات رقمية لتدافع عن نفسها وتتهمنا بالتآمر عليها.

المشكلة أننا لم ننسَ القبيلة؛ بل حدّثناها فقط. ولذلك ما زالت أعرافها تحكم مصائرنا، وما زال شرف الجماعة أهم من حقيقة الواقع، وما زال الاعتراف بالخطأ أشدَّ علينا من تكراره. نُغيّر الوجوه، ونبدّل الشعارات، وننتظر جيلًا جديدًا، ثم نكتشف، بعد كل هذا الانتظار، أن الجيل الجديد ورث منا ليس فقط القضية، بل أيضًا عاداتنا القديمة في الفشل.

وهكذا، ندور حول أنفسنا بثقة المنتصر، بينما نحن في الحقيقة نعيد إنتاج الهزيمة ذاتها، مرة باسم الثوابت، ومرة باسم الوحدة، ومرة باسم الشرعية، ومرة باسم الخوف من الفتنة. وفي كل مرة نصل إلى النقطة نفسها، ثم نختلف فقط على من يملك حق إعلان أننا لم نصل إليها.

ربما لن يتغير شيء ما دمنا نعتقد أن المشكلة فيمن ينتقدنا، لا فيما نفعله؛ وما دمنا نرى في المراجعة خطرًا على الجماعة، لا فرصة لإنقاذها. فالأمم لا تنهض لأنها لا تخطئ، بل لأنها تمتلك الشجاعة لتقول: أخطأنا. أما القبائل، فهي بارعة في شيء واحد: أن تخسر المعركة، ثم تبحث طويلًا عن شخص آخر تلقي عليه مسؤولية الهزيمة...!