مقالات

المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام

المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام

ليس كل موتٍ يعني انقطاع الأنفاس، فثمة موتٌ أشد قسوة من موت الجسد، إنه موت الضمير. وهناك من يمشي بين الناس، يتحدث ويكتب ويخطب، لكنه في الحقيقة قد مات من الداخل؛ لأن رسالته انتهت، وموقفه سقط، وكلمته فقدت شرفها.

ذلك هو المثقف الميت...

ليس المقصود به من رحل عن الدنيا، وإنما ذلك الذي فقد جوهر الثقافة، فحوّل المعرفة إلى سلعة، والقلم إلى أداة للتملق، والفكر إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. إنه مثقف يحمل الألقاب، لكنه يفتقد الشجاعة، ويحفظ النصوص، لكنه ينسى الإنسان، ويجيد الخطابة، لكنه يعجز عن قول كلمة الحق عندما تكون أثمانها باهظة.

لقد كانت الثقافة عبر التاريخ رسالة تحرير، وليست وظيفةً للارتزاق، وكانت الكلمة الحرة سلاحًا في وجه الظلم، لا جسرًا للوصول إلى المناصب. لذلك لم يكن المثقف الحقيقي يومًا تابعًا للسلطة أو أسيرًا للمال أو رهينةً للخوف، بل كان دائمًا ضمير شعبه، ولسان المظلومين، وعين الأمة التي ترى ما يحاول الآخرون إخفاءه.

غير أن الزمن أنجب نوعًا آخر من المثقفين؛ أولئك الذين يتقنون صناعة الصمت أكثر من صناعة الفكر، ويبرعون في تبرير الأخطاء أكثر من الدفاع عن المبادئ. يغيرون مواقفهم بتغير أصحاب النفوذ، ويبدلون قناعاتهم كلما تبدلت المصالح، حتى أصبح الثبات على المبدأ عندهم مغامرة، والصدق مخاطرة، والحق وجهة نظر قابلة للبيع والشراء.

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس انتشار الجهل، فالجاهل يمكن أن يتعلم، وإنما الخطر الحقيقي أن يموت ضمير المثقف. لأن المثقف إذا خان رسالته، استخدم علمه لتزييف الوعي، وأصبح تضليله أكثر خطرًا من جهل الجاهل، إذ يلبس الباطل ثوب الحقيقة، ويمنح الظلم مبررات تبدو مقنعة، ويزرع الشك في نفوس الناس حتى يفقدوا قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

وفي أوقات المحن، تسقط الأقنعة سريعًا. فحين تنزف الأوطان، ويجوع الأطفال، وتُهدم البيوت، ويُقتل الأبرياء، لا يعود السؤال: كم كتابًا ألّف المثقف؟ ولا كم شهادة يحمل؟ بل يصبح السؤال الوحيد: أين كان موقفه؟ وماذا قال؟ وهل وقف مع الإنسان، أم مع مصالحه الخاصة؟

إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين صفقوا للطغيان، ولا يخلد الذين باعوا أقلامهم في أسواق السياسة، وإنما يرفع من شأن أولئك الذين قالوا الحقيقة في زمن الخوف، ودفعوا ثمن مواقفهم دون أن يساوموا على كرامتهم.

فالكلمة الصادقة لا تُقاس بعدد القراء، بل بقدرتها على إيقاظ الضمائر، والقلم الشريف لا يبحث عن التصفيق، بل عن أثره في وجدان الناس. أما المثقف الذي يكتب ما يُطلب منه، ويصمت عما يجب أن يُقال، فهو وإن امتلأت رفوفه بالكتب، يبقى فقيرًا في ميزان التاريخ.

وليس المطلوب من المثقف أن يكون مع هذا الحزب أو ذاك، ولا مع هذه السلطة أو تلك، وإنما أن يكون مع الحقيقة حيث كانت، وأن ينحاز إلى العدالة مهما كان الثمن، وأن يظل وفيًا لرسالته، لأن الثقافة التي تفقد أخلاقها تتحول إلى مجرد زينة لفظية، لا تصنع وعيًا ولا تبني أمة.

لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا تنهار فقط بفعل الحروب، وإنما تنهار أيضًا عندما يصمت أصحاب الكلمة، ويبرر أصحاب الفكر، ويخاف أصحاب الضمير. ففي تلك اللحظة، يصبح المثقف جزءًا من الأزمة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

إن المثقف الحقيقي قد يخسر منصبًا، أو يتعرض للتهميش، أو يدفع ثمنًا باهظًا، لكنه يكسب احترام التاريخ. أما المثقف الميت، فقد يربح كل شيء في الحاضر، لكنه يخسر مكانه في ذاكرة الأجيال، لأن الشعوب تنسى الألقاب، لكنها لا تنسى المواقف.

وفي النهاية، تبقى الثقافة امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون امتحانًا للمعرفة، ويبقى القلم أمانة لا تُباع، والكلمة عهدًا لا يُنقض، والضمير هو الميزان الذي يحدد قيمة الإنسان.

فاحذروا من المثقف الذي يزين الظلم، ويجمل القبح، ويبرر الفشل، ويصمت عن الجريمة. ذلك ليس مثقفًا حيًا، بل مثقف ميت... يمشي بين الناس بجسدٍ حي، بينما روحه، ورسالته، وضميره، قد واراها التراب منذ زمن.

والتاريخ، كما كان دائمًا، لا يرحم موتى الضمائر، وإن ظلوا أحياءً بين البشر.