خطاب "الحيّة" الأول بعد انتخابه.. غيبوبة سياسية وإنكار يعلو فوق أنقاض غزة!
توقفتُ ملياً وأنا أقرأ الكلمة الأولى لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الدكتور خليل الحية. تنقلتُ بين السطور، أعدتُ قراءة الفقرات، لعلّي أجد فيها طلقة عقل واحدة، أو لحظة مراجعة ذاتية، أو إدراكاً مكثفاً لحجم الزلزال الذي ضرب الكيانية الفلسطينية وقلبها النابض قطاع غزة على مدى أشهر المأساة العاتية بعد السابع من اكتوبر ٢٠٢٣.. لكن عبثاً تحاول!
الرجل يتحدث، يوزع التحايا يميناً وشمالاً، يخطب في الجغرافيا من الخليل إلى يافا والشتات، ويعد بـ "إعادة غزة الجميلة المتألقة كما عرفناها"، وكأن شيئاً لم يكن! وكأن قطاع غزة لم يُمسح عن وجه الأرض، و70% منه محتل كاملا، وكأن 70 ألف شهيد ومئات آلاف الجرحى والمشردين هم مجرد تفصيل عابر في "بيان إنشائي" صِيغ بذهنية ونصوص ما قبل السابع من أكتوبر 2023!
إنه ليس فقط انفصال كامل عن الواقع؛ بل إبحار متواصل في مجرة الإنكار السياسي.
تسمع الخطاب، فتظن أن حركة حماس تقف على تخوم القدس تُملي شروط الاستسلام على الاحتلال، وليست الحركة التي تقف غزة اليوم بسبب مغامراتها غير المحسوبة في مهب التصفية، والتدمير، والتهجير، ومهددات الوصاية الدولية وعودة أدوات الاحتلال كاملا!
الحية يريد في خطابه أن يفعل كل شيء دفعة واحدة: "تحرير الضفة والقدس، وإعادة إعمار غزة، ورفع الحصار، ودحر الاحتلال".. كلام جميل وحماسي يُصلح لندوة شعبوية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه في علم السياسة والواقع التجريفي الذي نعيشه اليوم ليس سوى "دجل كلامي" وهروب للأمام.
كيف يُعقل لقيادة سياسية أن تخاطب شعباً جائعاً، مشردا في خيام، يفترش التراب وتحيط به الدبابات من كل جانب، بلغة الانتصارات المجانية؟ أين هي الحقيقة؟ أين الشجاعة الوطنية في الوقوف أمام الذات والاعتراف بأن المشروع السلاحي للحركة في غزة قد انكسر، وأن الاستمرار في القبض على جمر "الشرعية التكليفية" والسلطة لم يعد مجرد خطأ، بل أصل الجريمة بحق أهل غزة؟
إن المطلوب اليوم من حماس، لو كانت القراءة الوطنية ناضجة وتتغلب فيها مصلحة غزة وشعبها على أيديولوجيا التنظيم، ليس الاستمرار في إلقاء الخطابات العنترية وتوزيع الأوهام. المطلوب بوضوح لا يقبل اللبس:
اولا مغادرة المشهد الحكومي والسلطوي في غزة فوراً. وثانيا، تسليم السلاح لجهة وطنية جامعة وإغلاق ملف السلاح الفصائلي الذي استُخدم ذريعة لتدمير القطاع.د، وثالثا، رفع اليد عن مصير غزة لفتح الطريق أمام إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر والحجر، وتفويت الفرصة على المخططات التي تسعى للسيطرة على أرض غزة وتجريد شعبها من حقوقه.
يا دكتور خليل.. أهل غزة لا يريدون خطباً عصماء ولا تحايا ملغومة بالصبر الذي فاق الاحتمال. أهل غزة يريدون سقفاً يقيهم المطر، ولقمة عيش كريمة، ووقتاً لالتقاط الأنفاس ودفن شهدائهم. غزة لا تحتاج إلى "وعد إلهي" يُدار بأدوات الفشل السياسي، بل تحتاج إلى قرار شجاع يُنهي هذه الحقبة الكارثية.
إن الاستمرار في مخاطبة اهل غزة المكلومين بأسلوب "كأن لا شيء حدث" ليس مجرد غيبوبة سياسية، بل هو طعنة صريحة لوعي هذا الشعب الصابر الذي بات يدرك قبل غيره أن الكلفة كانت باهظة جداً.. وأن الوقت قد حان ليتنحى هواة الشعارات جانباً، قبل أن نصل إلى اليوم الذي لا نجد فيه غزة، ولا نجد فيه أحداً لنخطب فيه!