راسم البياري "أبو محمود"... حين يكتب الرجال تاريخ العمال وفداء الوطن
ليست كل الأسماء تُكتب بالحبر، فثمة رجالٌ تُكتب أسماؤهم بعرق الكادحين، وبصبر الأسرى، وبوجع المخيمات، وبسنواتٍ طويلة من التضحية والفداء التي لا تنتظر ثناءً ولا تبحث عن منصب. رجالٌ إذا مرّ ذكرهم، انحنت لهم الهامات احترامًا، لأنهم لم يكونوا شهودًا على التاريخ، بل كانوا من صُنّاعه. وفي فلسطين، حيث تختلط الحكاية بالدم وتمتزج الوطنية بالفعل، يبرز اسم المناضل النقابي الأخ راسم محمود البياري "أبو محمود"، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في المحافظات الجنوبية، بوصفه أحد أبرز الوجوه القيادية التي ارتبطت بمسيرة الحركة العمالية الفلسطينية لعقود طويلة؛ حيث جمع بين الخبرة المهنية، والرؤية التنظيمية، والالتزام الوطني الأصيل، متسلحاً بالفكر الجماعي لكادر نقابي فلسطيني موحد عمل على الدوام "بعقل واحد، ورأي واحد، وصناعة واحدة".
من ميادين الكفاح إلى قيادة الحركة العمالية
لم تأتِ تجربة "أبو محمود" من قاعات الاجتماعات أو خلف المكاتب المغلقة، بل بدأت من بيئة العمل والإنتاج نفسها؛ حيث عاش تفاصيل المهن الصناعية، وأتقن مهنة الخراطة، وافتتح مع أشقائه ورشةً للصناعة، فعرف عن قرب طبيعة المشقة التي يتحملها الكادحون، فكان فهمه لقضاياهم نابعًا من تجربة عملية لا من تنظير. ومنذ انضمامه إلى صفوف حركة فتح عام 1971، اختار طريقاً مليئاً بالمطاردة والاعتقال، فاعتقل في سجون الاحتلال عام 1972، لكن السجن لم يزد إرادته إلا صلابة.
تقدم الصفوف النقابية مبكراً وترأس نقابة الصناعات المعدنية، ولم يكن اختيار الشهيد القائد ياسر عرفات له عام 1979 أمينًا لسر الشبيبة العمالية تكليفًا عابرًا، بل كان اعترافًا بكفاءة قائدٍ شاب يمتلك الحضور والإخلاص. وتتابعت المسؤوليات؛ فسار سكرتيرًا عامًا للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين (1980-1986)، ثم رئيسًا للاتحاد عام 1987، وانتُخب نائبًا للأمين العام للاتحاد على مستوى الوطن منذ عام 1995، مكرساً الاتحاد كبيتٍ جامع للعمال ومدرسة للنضال الوطني والمقاومة المدنية. ولم ينفصل حضوره النقابي عن الوطني، فكان عضواً في المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وشارك في المؤتمرين السادس والسابع لحركة فتح، وكان عضواً في قيادة الساحة بقطاع غزة بتكليف من الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، والذي أدار له أبو محمود حملته الانتخابية الرئاسية في مدينة غزة بكفاءة عالية حققت أعلى نسبة أصوات للرئيس آنذاك.
المحطة السعودية والامتداد العربي والدولي
يستذكر الأخ راسم البياري تجربة الاتحاد بناءً على شبكة علاقات دولية وعربية واسعة قامت على الاحترام والثقة المتبادلة. وكان في مقدمة ذلك العلاقة المتميزة مع المملكة العربية السعودية، وتحديداً مع الأمير نايف بن عبد العزيز (أمير منطقة الرياض آنذاك)، والتي أثمرت إطلاق برنامج كفالات إنسانية استفادت منه نحو 23 ألف أسرة في غزة والضفة، ببرنامج سنوي قابل للتجديد كان يستهدف الوصول إلى 50 ألف أسرة لولا التطورات السياسية.
كما أثمر هذا التعاون استقدام محطات لتحلية المياه بتمويل سعودي وبتنسيق من الاتحاد، وُزّعت على المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية لتوفير مياه شرب آمنة. وامتدت يد العطاء لبناء علاقات مع جامعة الدول العربية وصناديق الدعم بمصر، والاتحاد النقابي الفرنسي CGT الذي موّل مركزاً للتدريب المهني يضم أربعة مجالات وكان يهدف لابتعاث 40 مدرباً من غزة والضفة لولا الأحداث التي عصفت بالقطاع، بالإضافة إلى تخصيص الرئيس الشهيد أبو عمار أرضاً بمساحة 17 دونماً على شاطئ النصيرات لإنشاء معهد أو جامعة عمالية ومصنع للأطراف الصناعية بتمويل سعودي.
معارك مطلبية وقوانين تاريخية بأيدي الكادر النقابي
لقد تجلت وحدة الحركة العمالية تحت قيادة البياري وكادره الموحد في المسيرات الكبرى للمطالبة بالحقوق، وفي صياغة الرؤى الاستراتيجية والتشريعية؛ وكان الإنجاز الأكبر هو المساهمة الفاعلة في صياغة أول قانون عمل فلسطيني عام 2000، والذي صادق عليه الرئيس بصيغة الكادر النقابي، وتدور حوله النقاشات الحالية لإقرار تعديلاته. كما ولدت من عقول هذا الكادر فكرة قانون الضمان الاجتماعي الذي شارك الاتحاد في صياغته وتشريعه عبر مراحله الأولى والثانية والثالثة والرابعة حتى اكتمل تماماً، وكان من المفترض والمخطط له أن يصدر رسمياً ويدخل حيز التنفيذ لعام 2026، لولا الظروف الاستثنائية التي أدت إلى توقف العمل به مؤقتاً.
وفي الميدان اليومي، انتزع الاتحاد حقوقاً ملموسة خففت عن كاهل العمال؛ ومنها معركة الإعفاء من الرسوم المدرسية. فبينما كان النظام الأساسي للوزارة يخلو قانوناً من أي بند يفرض "تبرعات إجبارية"، كانت المدارس تجبيها، فخاض الاتحاد نقاشاً حاداً مع وكيل الوزارة ومع الأخ أبو عمار، مؤكدين أن هذه التبرعات أصبحت تُثقل كاهل الضعفاء لصالح الأقوياء، ونتج عن ذلك قرار رسمي بإعفاء أبناء العمال في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية بمجرد إظهار ورقة صادرة عن الاتحاد العام. يضاف إلى ذلك منحة التأمين الصحي المجاني للعمال المتعطلين وذوي الدخل المحدود، التي وقعها الشهيد أبو عمار وجدد التوقيع عليها بذات الصيغة الرئيس أبو مازن بعد رحيله كإعفاء دائم لأبناء العمال. وباحتساب جميع برامج التشغيل والمساعدات النقدية والغذائية، فإن مجموع ما قدمه الاتحاد العام قارب المليون خدمة ومساعدة وفق معايير مهنية دقيقة وشفافة.
الحنكة السياسية وأمانة المال العام
تميزت المؤسسة النقابية تحت قيادة أبو محمود بعلاقات أخوية وثيقة ومتوازنة مع كل الفصائل الفلسطينية بلا استثناء؛ وهو نجاح فريد يرجع إلى الذكاء والخبرة والحنكة القيادية العالية التي تمتع بها الإخوة من أبناء حركة "فتح" وقياداتها الحكيمة والرشيدة الذين غلبوا المصلحة الوطنية العليا. وكان أبو محمود يضرب نموذجاً في النزاهة والحرص على المال العام؛ فكان يرفض إقامة الولائم المكلفة للوفود الأجنبية والمانحة في الفنادق، ويقوم بإعداد الطعام لهم بنفسه داخل مقر الاتحاد حفاظاً على أموال العمال، مؤمناً بأن كل فلس يجب أن يذهب لمستحقيه.
ضريبة الدم وثمن المواقف الوطنية
ولأن مواقف الرجال الأوفياء للوطن والشرعية لها ثمن باهظ، فقد دفع أبو محمود ضريبة مواقفه غالية من دمه وصحته وأسرته خلال سنوات الانقسام؛ إذ تعرض منزله لتفجير آثم، وجرى إلقاء القنابل اليدوية على بيته عدة مرات بهدف ترهيبه واغتياله معنوياً وجسدياً، ووصل الإجرام إلى حد تهديد زوجته وعائلته بشكل مباشر ومروع، فضلاً عن تعرضه لمحاولة اغتيال غادرة أصيب خلالها إصابة بليغة في الرقبة، وسُرقت مركبته ودُمرت إذاعة العمال ومقرات الاتحاد، قبل أن يُجبر على مغادرة قطاع غزة إلى الضفة الغربية، تاركاً خلفه مدينةً أحبها ونقابةً بناها بلحمه الحي.
ومع كل هذا الإرهاب والتفجير والإصابة، لم ينحنِ أبو محمود، ولم يبدل مواقفه، وبقي على عهد الأوفياء لفلسطين وحركته الرائدة. واليوم، وبعد العملية الجراحية التي تكللت بالنجاح بفضل الله في مستشفى المقاصد بمدينة القدس العاصمة، تتجه إليه القلوب بالدعاء قائلة: شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك.
ستبقى تجربة المناضل راسم البياري "أبو محمود" مدرسة في العمل المؤسسي الجماعي، والنزاهة، والانضباط الإداري، والبعد الإنساني، وشاهداً حياً على مرحلة كان فيها العمل النقابي عنواناً أصيلاً للعطاء الوطني والفداء من أجل كرامة الإنسان والوطن.