نـظـامُ أمـريـكـا الـسّـيـاسـيّ
يـتـبـادلان الـتّـداول عـلى السّـلـطـة فـي الـبـيـت الأبـيـض مـنـذ خـمـسـيـنـيّـات الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر بـمـقـدارٍ مـن الـتّوازن في حـصص الاسـتـفـادة. يَـتَـعـرّشـان - رئـاسـةً ومـشـيـخـةً ونـيـابـةً - فـي مـراكـز السّـلـطـة والقـرار لِـنـوْبـةٍ أو لـنـوبـتـيْـن مـتـتـالـيـتـيْـن، وقـد تـتـوافـق تـركـيـبـةُ الـتّـمـثـيـل فـي الـمـجـلـسـيـن مـع لـون الـمـقـيـم فـي الـبـيـت الأبـيـض، وقـد لا تـتـوافـق لـكـنّ ذلك لا يـغـيّـر مـا يـتـمـتّـع بـه رئـيـسُ الـدّولـة مـن فـائـض الـصّـلاحـيّـات، بـمـا فـي ذلـك مـمـارسـةُ حـقّ نـقـض مـا أقـرّه الكـونـغـرس وخـالـف إرادتـه. لـيـس مـن لاعـب ثـالـثٍ حـقـيـقـيّ فـي مـسـرح السّـيـاسـةِ والـتّـنـافُـسِ يـزاحـمـهـمـا عـلى الـمـكـانـة والـدّور وكـأنّ الـبَـطْـن السّـيـاسـيّ الأمـريـكـيّ عـاقـرٌ، أو هـو جـاوزَ الـعُـمـر الـطّـبـيـعـيّ للإنـجـاب! يـعـاقـب الأمـريـكـيّـون حـزبـاً مـنـهـمـا فـي انـتـخـابـات الـرّئـاسـة أو الكـونـغـرس أو فـيـهـما مـعـاً، لـكـنّـهـم لا يـلـبـثـون أن يـعـودوا بـه إلى الـصّـدارة بـعـد مـعـاقـبـة غـريـمـه الـسّـيـاسـيّ علـى سـوء ولايـتـه/ ولايـتـيْـه. ويـمـضـي الـزّمـان ويُـلـقـي بـأحـكـام الـتّـغـيّـر عـلى الاجـتـمـاع الأمـريـكـيّ؛ فـي الأفـكـار والـعـوائـد والـقـيـم والـفـرص الاجـتـماعـيّـة الـمـتاحـة...، فـيـمـا تـظـلّ سـيـاسـيّـاتُ أمـريـكـا - وتـقـالـيـدُهـا ومـؤسّـسـاتُـهـا الـمـوروثـة - عـن الـتّـغـيُّـر بـمـعـزلٍ وكـأنّـهـا مـوادُّ مـتـحـفـيّـة تـوقَّـف عـنـدهـا الـتّـاريـخ!
مـن آكـدِ الـفـروض والـواجـبـات الاعـتـرافُ بـالـفـرادة الـهـنـدسـيّـة لـدسـتـور الـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة الـذي يَـديـن لـه كـيـانُـهـا الاتّـحـاديّ ونـظـامُـهـا الـفـيـدرالـيّ بـالاسـتـقـرار والـدّيـمـومـة. اسـتـوقـفـت هـنـدسـتُـه المُـنَـمْـنَـمَـة عـقـلاً فـرنـسـيّـاً فـلـسـفـيّـاً يـقـظـاً (ألـيـكـسـي دو تـوكـڤـيـل) قـبـل مـائـة وتـسـعـيـن عـامـاً، فـأنـجـبـت مـن بـيـن أصـابـعـه أرفـعَ نـصٍّ تـحلـيـلـيّ للـنّـظـام الأمـريـكـيّ حـتّى الآن (كـتـاب: فـي الـدّيـمـقـراطـيّـة فـي أمـريـكـا، فـي جـزأيـن). ومـا بَـرح نـظـامُ أمـريـكـا الـدّسـتـوريّ يُـسـيـل الـمِـدادَ واللُّـعـابَ الـسّـيـاسـيّ حـتّـى يـوم الـنّـاس هـذا لـتـلـك الـفـرادة الـتي بَـدَا فـيـهـا جـامـعـاً لِـمـا لا يُـجْـمَـع: المـركـزيّـة واللاّمـركـزيّـة؛ الحـرّيّـات والـقـانـون؛ المـواطـنـة والـوَجـاهـة؛ الأمّـة والـتّـكـويـن الفـسـيـفـسـائـيّ؛ سـلـطـتـان ضـاربـتـان تـتـنـاهـبـان الـقـرار (البـيـت الأبـيـض والكـونـغـرس)؛ اسـتـقـلالـيّـة الـولايـات والانـدمـاج الـقـومـيّ الـفـيـدرالـيّ... إلخ. أفـقٌ جـديـدٌ هـو الأفـق الـذي قـدّمـه هـذا الـبـنـاء الـدّسـتـوريّ لـهـنـدسـةٍ مـخـتـلـفـة للـسّـلطـة والـنّـظـام السّـيـاسـي عـن تـلـك الـتي اعْـتِـيـدَ عـلـيـهـا ودُرِج عـلى اعـتـمـادهـا فـي أوروبـا وبـعـضٍ مـن مـسـتـعـمـراتـهـا المـسـتـقـلّـة. حـتّـى أنّ الاسـتـقـرار فـي أمـريـكـا - وكـان عُـزِيَ أمـرُه إلـى غـنـاهـا وثـرواتـهـا الخـرافـيّـة أو إلـى عـزلـتـهـا الجـغـرافـيّـة بـيـن المـحـيـطـات - بـات يُـعْـزَى، عـنـد فـريـقٍ آخـر، إلـى مـتـانـة مـدامـيـك نـظـامـهـا السّـيـاسـيّ - الـدّستـوريّ.
وإذْ قـضـتِ الـهـنـدسـةُ الـدّسـتـوريّـة تـلـك بـتـولـيـدِ تـوازنٍ دقـيـق بـيـن قـاعـدتـيـن للـتّـمـثـيـل: بـيـن مـواطَـنَـةٍ عـامّـة عـابـرةٍ لـحـدود الـولايـات وتـمـثـيـلٍ لا مـركـزيّ يَـلْـحَـظ حِـصـص الـولايـات فـي الـتّـمـثـيـل الـمـتـكـافـئ غـيـرِ المـشـروط بـالـتّـوزيـع الـسّـكـانـيّ، فـقـد أقـرَّت - بـنـاءً عـلى ذلـك - نـظـامـاً للـتّـصـويـت الانـتـخـابـيّ مـزدوجـاً أو، قُـل، نـظـامـاً قـائـمـاً عـلى تـصـويـتـيْـن يـتـقـرّر بـهـمـا نـظـامُ الـمـؤسّـسـات: تـصـويـتٌ مـواطـنـيّ شـعـبـيّ يـقـوم بـنـتـائـجـه نـصـف الكـونـغـرس (= الـنّـواب)، وتـصـويـت ولايـاتـيّ نـخـبـويّ (الـمـجـتـمـع الانـتـخـابـيّ) يـقـوم بـنـتـائـجـه نـصـفـه الـثّـانـي (الـشّـيـوخ). عـلى أنّـه إذْ يَـسَـع نـظـامَ الـتّـصـويـت الـمـزدوج هـذا أن يـضـخّ الـقـدرَ الـضّـروريّ مـن الـتّوازن فـي تـمـثـيـل الحـالـتـيـن (الـولايـاتــيّـة الـمـسـتـقـلّـة، والـفـيـدرالـيّـة الـقـومـيّـة)، لا يـسـعـه أن يـنـجـب، دائـمـاً، الهـيـأةَ الـرّئـاسـيّـة (= الـرّئـيـس ونـائـبـه) وفـقـاً لإرادة الـغـالـبـيّـة مـن الـنّـاخـبـيـن؛ ذلـك أنّ الـذي يـقـرِّر فـي الـرّئـاسـة (ومـجـلـس الـشّـيـوخ) لـيـس أصـوات الـشّـعـب، «مـصـدر الـسّـلـطـة»، بـل الـهـيـئـةُ الـنّـاخـبـة الـكـبـرى، أو الـمـجـمَـع الانـتـخـابـيّ. لـذلـك كـم مـن مـرشّـحٍ للـرّئـاسـة فـاز بـغـالـبـيّـة أصـوات الـشّــعـب فـي الاقـتـراع (هـيـلاري كـلـيـنـتـون، آل غـور، وثـلاثـة آخـرون قـبـلـهـم)، لـكـنّـه خـسِـر الانـتـخـابـات؛ وكـم مـن الـمـرشّـحـيـن للـرّئـاسـة خـسـروا غـالـبـيّـة أصـوات الشّـعـب، لـكـنّـهـم فـازوا بـالـرّئـاسـة (دونـالـد تـرامـپ فـي 2016 و، قـبـلـه، جـورج بـوش الابـن في 2000، ورؤسـاء آخـرون قـبْـلاً)! ولا مِـرْيـة فـي أنّ هـذا الـمـزيـج غـيـرِ الـمـتـجـانـس بـيـن تـقـالـيـد الـدّيـمـقـراطـيّـة الأثـيـنـيّـة الـقـديـمـة الاصـطـفـائـيّـة وتـقـالـيـد الـدّيـمـقـراطـيّـة الأوروبـيّـة الـحـديـثـة مَـثْـلـبـةٌ كـبـيـرة فـي جـمـلــة مـثـالـب عـديـدة تـعـتـور الـدّيـمـقـراطـيّـة الأمـريـكـيّـة...
لـكـنّ هـذه الـرّحِـمَ الـسّـيـاسـيّـة مـا اسـتـطـاعـت - عـلى خـصـوبـتـهـا - أن تـنـجـب أفـضـل مـن ذيـنـك الحـزبـيـن اللّـذيـن يـتـعـاوران عـلى إدارة السّـيـاسـة والـسّـلـطـة فـي أمـريـكـا و، مـن ورائـهـا، فـي الـعـالـم كـأنّـهـمـا طـبْـعـتـان لـنـصٍّ واحـد أو وجـهـان لـكـيـانٍ واحـد! وتـلـك مـن أشـدّ الـمـفارقـات جـلاءً فـي بـنـيـة الـنّـظـام الـسّـيـاسـيّ الأمـريـكـيّ. والحـقُّ أنّ المـرءَ لا يـمـنـع نـفـسـه مـن الـشّـعـور بـعُـسـر الـتّـمـيـيـز بـيـن الـحـزبـيْـن فـي الـسّـيـاسـات والخـيـارات إلاّ فـي الـنّـادر مـن الحـالات: والـنّـادرُ لا حُـكْـمَ لـه. الـمـسـافـةُ بـيـنـهـمـا أشـبـهُ بـفـضـاءٍ رمـزيّ «فـاصـل» بحـيـث تـكـاد أن لا تُـلْـحَـظ؛ أمّـا بـيـئـتـهـمـا الاجـتـمـاعـيّـة وإيـديـولـوجـيّـتـهـمـا فـتُـضْـمِـران فـيـهـا عـلاقـات وَصْـلٍ وفـصـلٍ فـي آن تـجـعـلـهـمـا يـتـطـابـقـان، أحـيـانـاً، ويـتـبـاعـدان فـي أحـايـيـنَ أخـرى.
فـأمّـا الـبـيـئـةُ الاجـتـمـاعـيّـة فـهـي، مـن الحـقّ، بـيـئـتـان: بـيـئـةٌ مـشـتـركـة يـسـبـحـان فـيـهـا؛ هـي بـيـئـة الـرّأسـمـال والـمـصـالـح الـكـبـرى والـمـال والأعـمـال. مـن هـذه الـبـيـئـة نـبـع الحـزبـان وتـنـشّـأتِ الأطـرُ واسـتُـمِـدَّ الـدّعـمُ وجُـمِـعَـتِ الأمـوال؛ ولـخـدمـة هـذه الـبـيـئـة وتـعـظـيـم مـصـالـح قـواهـا الـطّـبـقـيّـة الـبـرجـوازيّـة تَـنَـزَّل الحـزبـان وتَـكَـرّسَـا وأفْـرغـا الـوُسْـع ونَـفَّـلاَ فـي الـسِّـدانـة فـتـبـادَلاً تـمـثـيـل أجـنِـحـتـهـا والأقـسـام fractions. ثـمّ بـيـئـةٌ اخـتـلافـيّـة يـنـفـرد الـواحـدُ مـنـهـمـا بـهـا ويُـوسَـم؛ ونـعـنـي بـهـا نـوعَ الـجـمـهـور الاجـتـمـاعـيّ الـذي يـسـتـنـد إلـيـه كـلُّ حـزبٍ ويـخـاطِـب مـطـالـبَـه: أمـريـكـيّـون بـيـض مـن أصـول أوروبـيّـة وغـالـبـيّـة پـروتـسـتـانـتـيّـة (= «الحـزب الـجـمـهـوريّ»)؛ وأمـريـكـيّـون مـن أصـول مـخـتـلـفـة: أوروبـيّـة، لاتـيـنـيّـة، أفـريـقـيّـة، آسـيـويّـة، مـتـعـدّدو الأديـان والـمـذاهـب، مـع غـلـبـة پـروتـسـتـانـتـيّـة، ومـن السّـود والمـلـوّنيـن («الحـزب الـدّيـمـقـراطـيّ»). وعـلى مـثـال ازدواج البـيـئـة، تـزدوج الإيـديـولـوجـيـا فـتُـفـصِـح عـن مـشـتَـرَكٍ جـامـعٍ يَـلْـحُـمـهـا ويَـلْـفِـق أجـزاءَهـا (= اللّـيـبـرالـيّـة)، وعـن تَـمَـايُـزٍ تـتـوزّع بـمـقـتـضـاه إلـى نـسـخـتـيْـن مـتـزاحـمـتـيْـن عـلى الـنّـفـوذ: لـيـبـرالـيّـة اجـتـمـاعـيّـة («الـدّيـمـقـراطـيّ») ولـيـبـرالـيّـة مـحـافـظـة مـتـوحّـشـة («الـجـمـهـوريّ»)...
هـل هـو نـظـامٌ ديـمـقـراطـيّ ذلـك الـذي تـدور فـيـه السّـيـاسـةُ بـيـن قـبـيـلـتـيْـن سـيـاسـيّـتـيـن مـن الـمَـحْـتِـدِ عـيـنِـه؟
هـو، بـالأحـرى، نـظـامُ احـتـكـار الـسّـلـطـة مـن طـبـقـةٍ واحـدة (البـرجـوازيّـة) تُـطِـلّ عـلى الحـقـل الـسّـيـاسـيّ بـرأسـيْـن حـزبـيّـيـن. أمّـا مـفـردة «الـتّـداوُل عـلى الـسّـلـطـة» فـمـزْحـةٌ سـمِـجـة...!