كرنفال الأرقام العابرة: عندما تلد الأمّهات شهاداتِ استحقاقٍ مؤجلة
خلف كل زغرودة تطلقها حنجرة أمّ، أونظرة فخر يداريها أبٌ أهلكت سنواتِ عمره المصاريفُ والدروس الخصوصية، تكمن الحكاية الأجمل. إنها فرحة الثانوية العامة.
تلك اللحظة التي تولد مع الطفل كخطّة استراتيجية طويلة الأمد. التي يضبط الآباء عليها عقارب حياتهم، ويبنون فوق مهد الرضيع أبراجًا من الأحلام المؤجلة.
إنهم يستحقون تلك الدمعة الصافية التي تسقط فرحًا بجني ثمار سنوات من التعب والسهر. مبارك لكل من حفر في الصخر لينتزع حقّه في الابتسامة.
لكن المفارقة الساخرة تبدأ عندما نلتفت نحو البنية الاجتماعية التي تحتضن هذا الكرنفال السنوي.
في مجتمعاتنا، لم يعد التعليم سُلمًا للحراك الاجتماعي القائم على الكفاءة، بل تحول إلى طقس "برستيج" استهلاكي.
أصبحت المدارس والجامعات مصانع لإنتاج "إحصائيات عبثية" تتفاخر بها الأنظمة لتثبت أنها على قيد الحضارة.
إنها "الزبائنية" في أبهى تجلياتها السوسيولوجية؛ حيث ينقسم المجتمع إلى فئتين: فئة تملك الكفاءة والسهر، وفئة تملك "رقم الهاتف الصحيح" وشبكة العلاقات النفعية.
وفي هذا المسرح الهزلي، لا يعود التفوق تذكرة للعبور نحو المستقبل، بل يصبح مجرد زينة مؤقتة على جدار العائلة. بينما تصعد الكائنات الهلامية الفاشلة مصاعد النفوذ بفضل صلات القرابة والولاء، يُنحّى الناجح الحقيقي إلى الرصيف، ليتحول من طاقة إبداعية إلى مجرد رقم إضافي في طوابير البطالة أو قوارب الهجرة.
مبارك مجددًا لفرسانِ العقول، ولكن سحقًا لواقع يرى في شهاداتكم مجرد أوراق ديكور. لقد آن الأوان، ليس فقط للاحتفال، بل لـ "فرمتة" هذه المنظومة الاجتماعية المشوهة؛ التي نحتاج لإعادة ضبط لـ "رادارات" المجتمع، لينتقل التعليم من كونه وسيلة للتباهي والرقص الإحصائي، إلى رافد حقيقي، يحترم العقل، ويقدس الابتكار، ويجعل الكفاءة هي العملة الوحيدة المعترف بها في سوق الحياة….!