بعد 250 عاما على الاستقلال الامريكي .. هل حان وقت الاعتراف بنهاية وهم الهيمنة المطلقة ؟
قبل مئتين وخمسين عاما لم تعلن المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة استقلالها عن التاج البريطاني فحسب بل أعلنت أيضا ولادة فكرة سياسية جديدة أرادت أن تقدم نفسها بوصفها نقيضا للإمبراطوريات التقليدية التي قامت على الاحتلال والإخضاع وفرض الإرادة بالقوة حيث تحدث إعلان الاستقلال الصادر في الرابع من تموز عام 1776 عن حقوق الإنسان والحرية والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها ولم يتحدث عن قيادة العالم أو احتكار القوة أو فرض نموذج سياسي على الآخرين بل إن الآباء المؤسسين كانوا أكثر حذرا من الانخراط في تحالفات دائمة أو مشاريع توسعية يمكن أن تحول الجمهورية الوليدة إلى نسخة أخرى من الإمبراطوريات الأوروبية التي ثاروا عليها.
لكن التاريخ لا يسير دائما وفق النوايا الأولى وخلال قرنين ونصف انتقلت الولايات المتحدة من دولة تسعى إلى حماية استقلالها إلى قوة قارية ثم إلى زعيمة للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية وصولا إلى القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ومنذ تلك اللحظة بدأت واشنطن ترتكب أكبر خطأ استراتيجي في تاريخها الحديث حين اعتبرت غياب منافسها السوفيتي دليلا على أن التاريخ قد حسم لصالحها وأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرنا أمريكيا خالصا لا ينازعها فيه أحد.
لقد ولدت في تلك المرحلة عقيدة سياسية جديدة تجاوزت مفهوم القيادة الدولية إلى مفهوم الهيمنة الكاملة ولم يعد الهدف الدفاع عن المصالح الأمريكية فحسب بل إعادة تشكيل العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا وفق الرؤية الأمريكية وقد تجسد هذا التفكير بوضوح في كتاب ( رقعة الشطرنج الكبرى ) للمفكر ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي الذي اعتبر أن السيطرة على الفضاء الأوراسي تمثل مفتاح استمرار التفوق الأمريكي ومنع ظهور أي قوة منافسة قادرة على كسر الأحادية القطبية.
غير أن ما بدا في تسعينيات القرن الماضي حقيقة نهائية كان في الواقع لحظة تاريخية عابرة بعدما تأكد ان الهيمنة ليست قانونا من قوانين الطبيعة بل حالة سياسية ترتبط بموازين القوى وقابلة للتغير مع الزمن وقد أثبت التاريخ أن جميع الإمبراطوريات التي اعتقدت أن تفوقها أبدي انتهت إلى التراجع حين تجاهلت حدود القوة ومقاومة الشعوب ومنطق التاريخ نفسه.
الولايات المتحدة لم تكن استثناء من هذه القاعدة ومنذ مطلع القرن الجديد دخلت في سلسلة طويلة من الحروب الممتدة من أفغانستان إلى العراق ثم ليبيا وسوريا وصولا إلى أوكرانيا وأخيرا الحرب المشتركة مع إسرائيل ضد إيران وكانت النتيجة في معظم هذه المواجهات واحدة تقريبا إنفاق تريليونات الدولارات واستنزاف القدرات العسكرية وتآكل الصورة الأخلاقية للولايات المتحدة دون تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها عند بداية كل حرب.
لقد جاءت الحرب الأخيرة على إيران لتكشف بصورة غير مسبوقة حدود القوة الأمريكية وبعد أشهر من العمليات العسكرية والضربات الجوية المكثفة لم يتحقق الهدف الأساسي المعلن وهو إسقاط النظام الإيراني أو فرض الاستسلام الكامل عليه وعلى العكس من ذلك تمكنت طهران من إعادة تنظيم مؤسساتها بسرعة وواصلت إدارة الدولة وأظهرت قدرة على الرد العسكري وإرباك خطوط الطاقة والملاحة الدولية بما جعل الاقتصاد العالمي كله يدفع ثمن المواجهة.
هنا تكمن المفارقة الكبرى بان أقوى قوة عسكرية في العالم لم تستطع فرض إرادتها على دولة تخضع منذ عقود لعقوبات اقتصادية وحصار سياسي وتقني وهو ما يعيد إلى الأذهان دروس فيتنام وأفغانستان والعراق حيث أثبتت الوقائع أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع كسر إرادة الدول والمجتمعات حين يتعلق الأمر بقضايا الوجود والسيادة.
لعل أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس حدود القوة الأمريكية وحدها بل ايضا طبيعة الرهان العربي عليها ومنذ عقود بنت عدة دول عربية منظومتها الأمنية على افتراض أن واشنطن هي الضامن النهائي للاستقرار وأن المظلة الأمريكية كفيلة بردع أي تهديد ولهذا انتشرت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج من البحرين إلى قطر والسعودية والإمارات والكويت في أكبر تمركز عسكري أمريكي خارج الأراضي الأمريكية.
الحرب الأخيرة على ايران طرحت سؤالا لم يعد بالإمكان تجاهله وهو لمن تعمل هذه القواعد فعليا وهل هي لحماية أمن الدول المضيفة أم لحماية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والأهم من كل ذلك هل استطاعت هذه المنظومة الأمنية منع اتساع دائرة الحرب أو حماية الاقتصاد الإقليمي من تداعياتها .
الإجابة جاءت من الواقع نفسه لا من الخطابات السياسية فالحرب كشفت هشاشة الأمن القائم على الاعتماد المطلق على الخارج وأثبتت أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على صراعات الآخرين ولا على استدعاء القوى الكبرى لإدارة التوازنات الإقليمية.
في المقابل راهنت بعض العواصم العربية أيضا على التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي باعتباره الضمانة الأقوى لبقاء التوازنات الإقليمية غير أن مسارات الحرب ونتائجها أثبتت بوضوح أن هذا الرهان لم ينتج استقرارا بل زاد من احتمالات الانفجار الشامل وأدخل المنطقة في واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود كما قاد الى تشكل نظام دولي مختلف تماما عما كان عليه قبل ثلاثة عقود فالصين أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية تنافس الولايات المتحدة في معظم المجالات وروسيا استعادت كثيرا من حضورها الاستراتيجي بينما برزت قوى إقليمية كالهند وتركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا لتؤكد أن العالم لم يعد قابلا للإدارة من مركز واحد مهما بلغت قدراته.
إن أهم درس تقدمه الذكرى المئتان والخمسون للاستقلال الأمريكي ليس أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها العالمية فهي ستبقى لعقود قوة عظمى مؤثرة في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا وإنما أن الفارق كبير بين القوة والهيمنة فالقوة يمكن أن تستمر أما الهيمنة المطلقة فقد أصبحت جزءا من الماضي لأن طبيعة النظام الدولي نفسه تغيرت وأصبح أكثر تعددية وتعقيدا وتشابكا مما كان عليه بعد نهاية الحرب الباردة.
لذلك فإن أكثر ما تحتاجه واشنطن اليوم ليس تطوير منظوماتها الصاروخية ولا زيادة إنفاقها العسكري وإنما مراجعة فلسفتها السياسية فالعالم لا يحتاج إلى شرطي عالمي جديد بل إلى قوة كبرى تتعامل مع الآخرين بوصفهم شركاء لا تابعين وتحترم القانون الدولي بدلا من استخدامه بصورة انتقائية كلما تعارض مع مصالحها أو مصالح إسرائيل.
كما أن القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الحقيقي لأي مراجعة أمريكية جادة فلا يمكن الحديث عن نظام دولي قائم على العدالة بينما يستمر الاحتلال والاستيطان والحصار والتمييز ولن تستعيد الولايات المتحدة جزءا من مصداقيتها إلا إذا تخلت عن سياسة المعايير المزدوجة واعترفت بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بتفوق طرف واحد بل بإقرار الحقوق المشروعة لجميع شعوب المنطقة.
أما بالنسبة للعالم العربي فإن الرسالة لا تقل أهمية فقد أثبتت التجربة أن الارتهان لقوة خارجية مهما بلغت لا يصنع أمنا دائما وأن الطريق الأكثر عقلانية يكمن في بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة تقوم على الحوار والتوازن والمصالح المشتركة مع جميع الجيران وفي مقدمتهم إيران وتركيا بعيدا عن منطق المحاور والاستقطابات الدولية.
بعد مئتين وخمسين عاما على إعلان الاستقلال تقف الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يشبه في أهميته لحظة تأسيسها الأولى وهي تستطيع أن تتمسك بوهم التفوق المطلق وتواصل استنزاف قدراتها في مقاومة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم أو أن تعود إلى الروح الأصلية التي قام عليها إعلان الاستقلال عندما قدمت نفسها عضوا في الأسرة الإنسانية لا وصيا عليها.
إن أعظم هدية يمكن أن تقدمها واشنطن لنفسها في عيد استقلالها ليست عرضا عسكريا أكبر ولا ميزانية دفاع أضخم ولا تحالفات جديدة بل شجاعة الاعتراف بأن عصر الأحادية القطبية قد انتهى وأن المستقبل لن تصنعه إمبراطورية واحدة بل توازن بين قوى متعددة تتشارك المسؤولية وتحترم سيادة الدول وتؤمن بأن الاستقرار الحقيقي يولد من العدالة لا من الهيمنة ومن الشراكة لا من الإملاء ومن احترام إرادة الشعوب لا من محاولة إعادة تشكيلها بالقوة.
التاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة لا تسقط عندما تتراجع قوتها بل عندما ترفض الاعتراف بأن الزمن قد تغير وأن الحكمة في السياسة ليست في الإصرار على الاحتفاظ بعالم الأمس بل في امتلاك الشجاعة لبناء عالم الغد ويهذا المعنى تحديدا فإن الذكرى المئتين والخمسين للاستقلال الأمريكي قد تكون فرصة لمراجعة تاريخية كبرى تعيد الولايات المتحدة من مشروع الهيمنة إلى فلسفة الجمهورية التي ولدت منها.
ختاما : لم تعد الذكرى المئتان والخمسون للاستقلال الأمريكي مجرد احتفال بماض مجيد بل أصبحت اختبارا لقدرة الولايات المتحدة على قراءة حاضر مختلف ومستقبل لا يشبه ما بعد عام 1991 خاصة وان الإمبراطوريات لا يرهقها تراجع القوة بقدر ما يهزمها الإصرار على إنكار حقائق التاريخ واليوم لم يعد السؤال إن كانت أمريكا ستبقى قوة كبرى بل ما إذا كانت ستملك شجاعة التخلي عن وهم (الهيمنة المطلقة) والقبول بأن القرن الجديد لن يُدار من عاصمة واحدة بل من عالم متعدد الأقطاب تحكمه المصالح المتوازنة لا إرادة القوة وهذا وحده هو الدرس الأهم الذي تستحقه الذكرى المئتان والخمسون للاستقلال الأمريكي.