لم يكن إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحديد مطلع عام 2027 موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية، وإصداره تعديلات على قانون الانتخابات العامة شملت زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي، وخفض سن الترشح، وتوسيع كوتا المرأة، مجرد إصدار قرار بقانون فحسب، بل كان فيه رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، أبرزها التأكيد على الجاهزية الرسمية لتنظيم الانتخابات بعد سنوات طويلة من الغياب.
فمنذ الانتخابات الرئاسية عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006، ومنذ إصدار الرئيس عباس عام 2021 مرسوماً رئاسياً بتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى بسبب رفض إسرائيل إجراء العملية الانتخابية في مدينة القدس الشرقية، بقي النظام السياسي الفلسطيني يعيش حالة من الجمود الانتخابي، وخلال هذه السنوات تغيرت أشياء كثيرة؛ تبدلت أولويات الناس، وتعاقبت الأزمات، وتعاظم الانقسام، وتغيرت موازين القوى داخل حركة فتح وخارجها، حتى أصبح الحديث عن أي انتخابات جديدة يتجاوز سؤال صناديق الاقتراع نفسها ليصل إلى سؤال أكثر حساسية: من سيقود النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد محمود عباس؟
هذا السؤال ليس جديداً، لكنه عاد بقوة إلى الواجهة مع الإعلان الأخير، وفتح الباب مجدداً أمام أسماء وشخصيات يجري تداولها منذ سنوات باعتبارها مرشحة محتملة لخلافة الرئيس.
ويأتي اسم مروان البرغوثي في مقدمة هذه الأسماء، فالرجل رغم وجوده في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، ما زال يتمتع بحضور سياسي وشعبي لافت، وتظهر استطلاعات الرأي بصورة متكررة أنه الشخصية الفلسطينية الأكثر قبولاً في أي انتخابات رئاسية المحتملة.
ويستند هذا الحضور إلى تاريخ نضالي طويل وإلى رمزية أسير ارتبط اسمه بفكرة المقاومة والوحدة الوطنية، الأمر الذي يجعله بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مرشحاً قادراً على استعادة جزء من الشرعية الشعبية للنظام السياسي إذا ما أُتيحت له فرصة خوض الانتخابات.
وفي المقابل، يبرز اسم حسين الشيخ، الذي صعد خلال السنوات الأخيرة إلى مواقع متقدمة داخل النظام السياسي، فبات نائباً لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ثم نائباً لرئيس حركة فتح. وقد اعتبر كثيرون هذا الصعود مؤشراً على وجود رغبة داخلية في ترتيب انتقال منظم للسلطة يحافظ على استمرارية المؤسسات والقيادة القائمة.
أما محمود العالول، فرغم حضوره التنظيمي وتاريخه الطويل داخل حركة فتح، فإن التطورات الأخيرة أوحت بأن موقعه في معادلة الخلافة الرسمية لم يعد بالمركزية التي كان يتمتع بها سابقاً، خصوصاً بعد إعادة ترتيب المواقع القيادية داخل الحركة. ومع ذلك، يبقى الرجل رقماً صعباً داخل فتح، وشخصية لا يمكن تجاوزها في أي تفاهمات مقبلة.
ويبرز كذلك اسم اللواء ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة، الذي حصد ثاني أعلى عدد من الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح، وجاء بفارق بسيط عن مروان البرغوثي. ولا يعكس حضوره مكانته داخل الحركة، بل أيضاً الدور الذي تمثله المؤسسة الأمنية في معادلة ما بعد عباس.
ولا يغيب عن هذا المشهد اسم جبريل الرجوب، أحد أبرز الوجوه السياسية والتنظيمية في حركة فتح. فالرجوب يمتلك حضوراً قوياً داخل قواعد الحركة، وشبكة علاقات عربية ودولية واسعة، كما أنه لم يغادر يوماً دائرة الفعل السياسي، حتى عندما تراجعت حظوظ آخرين أو تبدلت موازين القوى داخل الحركة. ولهذا بقي اسمه حاضراً في كل نقاش يتعلق بخلافة الرئيس، وإن كانت فرصه كغيره، تبقى مرتبطة بتوازنات فتح الداخلية وقدرتها على إنتاج توافقات جديدة.
وفي الآونة الأخيرة، دخل اسم ياسر عباس، نجل الرئيس، إلى دائرة النقاش السياسي بصورة أكبر. فحضوره المتزايد في بعض الملفات أثار جدلاً واسعاً داخل حركة فتح وخارجها، وفتح الباب أمام انتقادات ومخاوف من أن يُنظر إلى أي دور مستقبلي له باعتباره شكلاً من أشكال التوريث السياسي، وهي فكرة لا تحظى بقبول واسع في الشارع الفلسطيني.
لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بالأسماء، وإنما بطريقة إنتاج الرئيس المقبل، فهل ستنجح حركة فتح في التوصل إلى مرشح توافقي يحظى بقبول داخلي وخارجي، أم أن مرحلة ما بعد محمود عباس ستفتح الباب أمام صراع أجنحة داخل الحركة الأكبر في النظام السياسي الفلسطيني؟
في داخل فتح توجد مراكز قوى متعددة وشخصيات تمتلك نفوذاً تنظيمياً وأمنياً وسياسياً، الأمر الذي يجعل عملية انتقال السلطة أكثر تعقيداً من مجرد تسمية خليفة للرئيس وفي ظل غياب آلية واضحة ومتفق عليها للحسم، تبقى احتمالات التوافق والصراع مفتوحة في آن واحد.
وفي الوقت نفسه، تراقب إسرائيل هذا المشهد عن كثب، فهي تنظر إلى ملف خلافة الرئيس من زاوية الأمن والاستقرار بالدرجة الأولى، وليس من منظور ديمقراطي أو مؤسسي فلسطيني. كما تبدي خشيتها من صعود شخصيات ترى أنها قد تعيد إحياء خيارات المواجهة أو تؤثر في طبيعة العلاقة القائمة، وتبدي تحفظاً واضحاً تجاه أي سيناريو قد يقود إلى فوز حركة حماس أو شخصيات مثل مروان البرغوثي.
كما تفضل إسرائيل، وفق كثير من التقديرات، انتقالاً سلساً ومنظماً للسلطة يحافظ على الوضع القائم بالشكل الذي لا يفرض عليها متغيرات غير محسوبة، مع استمرار شكوكها بشأن إمكانية إجراء انتخابات فلسطينية شاملة، خاصة فيما يتعلق بملف القدس الشرقية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقة بين الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو تباينات في بعض الملفات الإقليمية، ما يدفع بعض المراقبين إلى التساؤل حول طبيعة الدور الأمريكي في مرحلة ما بعد عباس. ومع ذلك، تبدو الأولوية الأمريكية، كما الإسرائيلية، مرتبطة بالحفاظ على الاستقرار ومنع حدوث فراغ سياسي أو أمني في الأراضي الفلسطينية.
أما الشارع الفلسطيني، الذي يعيش حالة من الإرهاق السياسي بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام، فيبدو أنه يبحث عن رئيس يحمل مواصفات مختلفة: رئيس يمتلك شرعية شعبية حقيقية، وتاريخاً نضالياً، ونزاهة شخصية، وقدرة على الإصلاح، وإنهاء الانقسام، واستعادة ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم.
وفي نهاية المطاف، قد يبقى اسم مروان البرغوثي العامل الأكثر تأثيراً في معادلة الخلافة الفلسطينية. فإذا ما أُفرج عنه في أي تسوية أو صفقة مستقبلية، فإن المشهد السياسي برمته قد يُعاد رسمه، وقد تجد الساحة الفلسطينية نفسها أمام معادلات جديدة تختلف كثيراً عما هو مطروح اليوم.
أما إذا بقيت المعادلات الحالية على حالها، فإن اسم حسين الشيخ سيظل من بين الأسماء الأكثر حضوراً في التداول السياسي، بحكم قربه من الرئيس عباس، وتوليه مواقع متقدمة في منظمة التحرير وحركة فتح، إضافة إلى حضوره في الجولات والاتصالات السياسية العربية والدولية.
غير أن الطريق إلى رئاسة السلطة الفلسطينية لا يزال أبعد من أن يُحسم بتزكية داخلية أو دعم خارجي، إذ تبقى الكلمة النهائية رهناً بتوازنات حركة فتح، ومواقف الفصائل، وإمكانية إجراء انتخابات حقيقية، والأهم من ذلك كله بقدرة أي مرشح على نيل الشرعية الشعبية التي بات الشارع الفلسطيني يبحث عنها أكثر من أي وقت مضى، وهي شرعية قد تحمل معها اسماً جديداً لم يبرز بعد في حسابات المتنافسين على مرحلة ما بعد محمود عباس.
