نحن جنرالات الحجارة
تاريخ النشر : 2026-06-23 15:21

نحن جنرالات الحجارة وانا واحد منهم، هكذا بدأنا إنتفاضتنا فى قطاع غزة تعبيرا عن رفضنا للظلم الواقع علينا من الإحتلال الإسرائيلي.
بدأت إنتفاضة الحجارة فى الثامن من ديسمبر من العام 1987
بدأت الشرارة الأولى من مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، عندما قام سائق شاحنة إسرائيلي بدهس مقطورة يركبها عمال فلسطينيون عند حاجز بيت حانون أو ما يعرف بإسم حاجز (إيرز) فكانت تلك هى الشرارة الأولى، كان عمرى فى حينها ثمانية أعوام .
مارس الإحتلال الإسرائيلي  كل أساليب القمع والاضطهاد على الشعب الفلسطيني وأصبح يضيق علينا الخناق شيئا فشيئا حتى هبت الجماهير الفلسطينية  الغفيره فى كل الأحياء والمخيمات والمدن الفلسطينية وتجمهر الناس على المفترقات الرئيسية وفى الساحات وإشعال الإطارات وبعد وقت قصير أتت قوات الجيش الإسرائيلي لقمع الحشود فقابلناهم برد أعنف برمى الحجارة والهتافات تعبيرا عن رفضنا لوجود الإحتلال الإسرائيلي وسياساته القمعيه ورفضا للإعتداءات اليومية والقتل والتنكيل .
فما كان من جيش الإحتلال الإسرائيلي إلا إطلاق القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين ولم يكن لدينا تجارب فى ذلك فكان تأثيرها قوى جدا، وكثير من أطفال الحجارة أصيبوا بإختناق شديد وبعضهم مات بسبب إصابه مباشره بقنبلة الغاز فى الصدر أو الرأس وتسببت بنزيف حاد أدى للوفاة أو بسبب إستنشاق الغاز والإختناق .
لم نستسلم وبقينا ننتفض أكثر وأكثر ونحمل فى جيوبنا الحجارة وفى حقائب المدرسة الحجارة ونخرج للساحات وبالطرقات وجيش الإحتلال الإسرائيلي يلاحقنا ويعتقل من يستطع الإمساك به ويفرقنا بقنابل الغاز المسيلة للدموع ولكننا إكتشفنا السر الذى جعلها بلا جدوى وهو كل جنرال من جنرالات الحجارة يتسلح بالحجارة ورأس بصل يستنشق رائحة  البصل عندما تطلق قنابل الغاز، فما كان من جيش الإحتلال الإسرائيلي إلا إستخدام الرصاص المطاطى وهو كرة من الحديد مغلفة بالمطاط وهى مؤلمة جدا تسبب الكسور وتسبب الموت إن أصابت الإنسان فى مكان خطر كالرأس وأيضا استخدموا الرصاص الحى لقتل من يصفونه بزعيم الجنرالات الذى يقود أطفال الحجارة فى ذلك الميدان .
ومن أجل تشتيت الرؤية لدى جنود الإحتلال كنا نشعل الإطارات ونقاومهم من خلف السحب السوداء برشقات من الحجارة ولم نكتفى بذلك فحسب بل أصبحنا نستخدم المقلاع اليدوي وما يعرف بالشديدة وهى من غصن شجرة على شكل حرف Y باللغة الإنجليزية مربوط بها قطعتين حبل مطاطي كنا نأخذه  من أكياس المحلول الفارغة او من إطارات الدراجات الهوائية ونضع فيها حجر ونسحبه للخلف بقوة تم ينطلق مسرعا نحو الهدف الذى نريد فكان يصيب الجنود من بعيد ويربكهم .
كنا نقسم أنفسنا مجموعات لكل مجموعه مهام بعضهم لوضع المتاريس من الحجارة  لعرقلة مداهمة الجيبات العسكرية واللحاق بنا والإمساك بنا ومجموعات آخرى لمراقبة الطرقات حتى لا يباغتنا الجنود ويمسكوا بنا وكنا نعد فى الجدران فتحات تتسع لدخولنا بحجم الأطفال ولا تتسع لدخول شخص بالغ بحجم الجنود وعتادهم كنا نفر منها إذا أطبق علينا جنود الإحتلال الإسرائيلي من مختلف الإتجاهات ومجموعة آخرى تستخدم المقلاع لتشتيت جنود الإحتلال وعرقلتهم من التقدم مما يتيح لنا فرصه أكبر للهروب ومجموعة توزع قطع البصل للتغلب على غاز مسيل الدموع ويكون النصيب الأكبر من قطع البصل لمن يتأثر بقنابل الغاز أكثر من غيرة ومجموعات آخرى تحضر جردل أو عاء بلاستيك به ماء إما نضع قنبلة الغاز بداخل الماء أو نعيدها لجنود الإحتلال الإسرائيلي من خلال رميها عليهم مره آخرى ولكن فى ذلك صعوبة بالغة والأسهل وضعها فى وعاء الماء.
ومجموعات تحاول تشتيت إنتباه  الجنود ليتمكن بعض الأطفال ممن وقعوا فى الأسر وقيدت أيديهم برباط بلاستيكية وتم وضعهم داخل الجيب العسكري من قطع الرباط والقفز من الجيب والهروب ونجح فى ذلك الكثير الكثير من جنرالات الحجارة.
لقد إشتعلت إنتفاضة الحجارة وإزداد لهيبها وأصبح من الصعب على الإحتلال الإسرائيلي  إخمادها وأذكر أننى كنت صغيرا بعمر ثمانية سنوات أنا وأحد أقاربي، ونحن تمتلك عائلتنا محل إطارات ولدينا الكثير منها من الإطارات البالية اصطحبنا كل واحد إطار وندحرجة بالطريق وصولا للساحة التى سوف نشعل فيها الإطارات والتى يتجمع فيها الكثير من جنرالات الحجارة أطفالا صغارا وكبارا وحين وصلنا ناصية الطريق بالقرب من منعطف المدرسة فى مدينة دير البلح باغتنا جيب عسكرى به جنود قبل أن نشعل الإطارات فتركناها والكل يركض فى أقرب إتجاهات هربا من الجنود وأمسكوا بى وخرجت نساء الحارة وبصحبتهم أمي رحمها الله وخرج الجيران وتكلموا معهم قالوا لهم هذا طفل صغير لماذا أنتم ممسكين به؟ أتركوه
فتركوني وأخذوا بطاقة الهوية من جارنا واعطوه ورقة صغيرة يذهب بها لمركز الإدارة المدنية " مركز الحاكم" لمراجعتهم وبقى لأكثر من ثلاثة أشهر وهو يراجعهم حتى أعادوا له بطاقة الهوية .
بالعودة للحديث عن جنرالات الحجارة وتطورها على مدار سبعة  سنوات أخذت منحنيات ومنعطفات كثيرة سوف أوجزها بإختصار قدر الإمكان، لقد بدأت إنتفاضتنا سلمية تم تطورت برمى الحجارة تعبيرا عن الرفض للظلم والاضطهاد تم إشعال الإطارات حتى لا يرانا جنود جيش الإحتلال الإسرائيلي  بعدما أصبحوا يستخدموا الرصاص المطاطى والرصاص الحى .
كان جيش الإحتلال الإسرائيلي  يشترط على أصحاب ورشات الإطارات بعدم منح الإطارات الباليه  لأحد وإلا سوف يواجه صاحب الورشة والعاملين فيها عقوبات جسيمة وللتغلب على ذلك قبل إغلاق الورشه يتم رمى الإطارات فى حاويات القمامة ويأتى لاحقا وسرا مجموعات من الشباب ويأخذونها وبسبب ذلك أحرق جيش الإحتلال الإسرائيلي ورشة الإطارات الخاصه بنا من خلال عملاؤه الخونه كعقاب لنا .
ولم يكن فقط الأطفال وحدهم فى تلك الإنتفاضة بل جيل الشباب الثائر كان عنصرا فعال فى تلك الإنتفاضة فأصبح جيش الإحتلال الإسرائيلي  يدس بين المتظاهرين عناصر المستعربين ويمسكون بمن هم الأقرب والأنشط بالمكان ويتم إعتقالهم وكذلك أصبح جيش الإحتلال الإسرائيلي  يحدد ويتعرف على الأشخاص المنتفضين من خلال عملاؤه الخونه ويذهب ليلا فى حملات إعتقالات لذلك أصبح جنرالات الحجارة ملثمين حتى لا يتعرف عليهم العملاء والخونه ويوشون بهم .
وكذلك بشكل مباغث نتعرض للتوقيف فى أزقة الطرقات وداخل المدارس والفصول الدراسيه نتعرض للتفتيش لذلك كنا نحرص على أن يكون فى حقيبة المدرسة رغيف خبز محشو بالفلفل الأحمر المهروس وبصحبته بصلة وحبه طماطم وجميعهم فى كيس بلاستيك مع بعضهم البعض وحين يسألنا الجنود ما هذا؟ نقول لهم طعام نأكلة والحقيقة اننا نأكل الخبز بهريسة الفلفل أو الزعتر والدقة الفلسطينية المصنوعة من قمح فلسطين ونحتفظ بالبصلة للتغلب على غاز مسيل الدموع وحبه الطماطم نفرك بها أيادينا لإخفاء آثار الحجارة كى لا يتعرف علينا الجنود بتلك الآثار .
لأن تكسير الحجارة والإمساك بها بشكل متكرر ومرات كثيرة يترك آثار خشنة ولم يكن لدينا كريمات متوفره كما اليوم كنا كل شيء متاح هو شيء بدائي وبسيط .
كان جيش الإحتلال الإسرائيلي  يتعمد المشي فى الطرقات دوريات كثيرة خلال اليوم فى الطرقات وبالقرب من المدارس وأزقة المخيمات لإعادة هيبة  جنودة وكسر حاجز الخوف لديهم وزرع الخوف فينا ومنعنا من مواصلة كفاحنا بالحجارة، وكانت دوريات قمعية متنوعة كنا صغارا لكننا كنا نميزها من لون غطاء الرأس أخطرهم الجنود ذو القبعات البنفسجية كانت تعرف بإسم ( شمارقفول)
وكذلك نميز عدد الجنود من شكل الجيب العسكري الجيب الصغير يعرف بإسم ( جيب الصرصور) ويتسع إلى ثلاثة جنود وجيب أكبر قليلا يتسع إلى خمسة  جنود وجيب يعرف بإسم ( الباوور) وهو يتسع لمجموعة كبيرة من الجنود، ولكن هيهات هيهات لهم لم نستسلم وكنا كلما رأينا جنودهم تقترب منا رشقناهم بالحجارة ليبتعدوا وكلما فعل جنودهم جريمة نزداد فى ثورتنا خاصة عندما يستشهد أحد جنرالات الحجارة فى أى مكان بالوطن ولم تتوقف الإنتفاضة ولم تكن هناك وسائل إعلامية تغطى كل شيء كما اليوم ولا يوجد موبايلات وفضائيات وإنترنت وتكنولوجيا كما اليوم فكانت وسائل التواصل فى ذلك الوقت هو طباعة المناشير الورقية ورميها بالأسواق وعلى أبواب المدارس والجدران والكتابة على الجدران الرئيسية التى يشاهدها أكبر قدر من الناس وهكذا خلال دقائق لا تتجاوز الساعة ينتشر الخبر فى قطاع غزة كافة وينتفض الجميع ردا على جريمة جديدة إقترفها جيش الإحتلال، وأصبح جنود الإحتلال الإسرائيلي أكثر وحشية واتبعوا سياسة تكسير العظام لأشبال فلسطين وفرض منع التجوال ليلا ومنع التجوال الذى كان يمتد لأيام وأسابيع لمنع أشبال الحجارة وجنرالاتها من الإنتفاضة ضدهم، وإغلاق الكثير من الطرقات والأحياء والأزقة داخل المدن والمخيمات الفلسطينية فى قطاع غزة لوقف إنتفاضة الحجارة والتغلب عليها، حتى أصبحت الإنتفاضة الفلسطينية إنتفاضة الحجارة محط لفت إنتباه العالم وشعله ومنارة لا تنطفئ ويقابلها أعمال ثورية لأبطال فلسطين فى المهجر والشتات فكانت الأحداث مرتبطة ببعضها البعض خارج وداخل أرض الوطن حتى رضخ الإحتلال والمجتمع الدولى لتحقيق السلام الذى نتج عنه إتفاقية أوسلو التى تمنح الشعب الفلسطيني الحكم الذاتى تحت سيطرة القوات الفلسطينية تم الإنتقال لقيام دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف ووقع ذلك الإتفاق الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مع رئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين والذى إغتالة شعبه لوئد عملية السلام، ولكننا بقينا الجانب الفلسطيني متمسكا بخيار السلام من أجل قيام دولتنا الفلسطينية والتى مازالت إسرائيل تتهرب من الإلتزام بتحقيق السلام ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وقيام دولتنا الفلسطينية  على حدود  عام  1967م وعاصمتها القدس الشريف.
وكما كنت جنرال من جنرالات الحجارة فسوف أبقى مدافعا عن حقوق شعبى ووطنى فلسطين  بالقلم والكلمة إيمانا منى بأن الكلمة أشد وقعا من الرصاص فى زمن باتت الحقيقة  يعلمها الجميع بعدما أصبحت وسائل الإعلام منتشرة فى كل مكان وتطور الإنترنت ووسائل التواصل وبات العالم كله عبارة عن قرية صغيرة ولا يمكن لأحد خداعهم وتظليلهم كما فعلوا من قبل .
بالقلم وحروف الكلمات سوف نرسم إرادة  شعبنا الفلسطيني حتى ينال حريته وقيام دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.