في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تسأل الجماهير من أطلق الشرارة أولًا، بل تسأل: من يملك الشجاعة لاحتضانها وتحويلها إلى مشروع وطني؟
واليوم، ومع اقتراب حراك السادس والعشرين من يونيو، تتجه الأنظار في غزة نحو حركة فتح أكثر من أي فصيل آخر. ليس لأن فتح وحدها تملك الحلول، وإنما لأنها ما زالت – في نظر شريحة واسعة من الفلسطينيين – الحركة التي حملت المشروع الوطني لعقود، والتي تمتلك الشرعية التاريخية والتنظيمية والسياسية القادرة، إن أرادت، على تحويل الغضب الشعبي إلى رؤية وطنية.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في كل مجلس، وفي كل خيمة، وعلى كل رصيف:
أين ستكون حركة فتح؟وأين ستكون السلطة الوطنية؟وأين أعضاء اللجنة المركزية؟وأين المجلس الثوري؟وأين قيادات غزة التي تعرف حجم المأساة وتعيش تفاصيلها؟
إن الجماهير لا تنتظر بيانات إنشائية، ولا خطابات مجاملة، بل تنتظر موقفًا واضحًا ينسجم مع حجم الكارثة التي يعيشها أبناء شعبنا.
فإذا كان هذا الحراك تعبيرًا عن معاناة الناس، وعن رغبتهم في إنهاء حالة الانهيار والحرب والجوع والفوضى، فإن الواجب الوطني يقتضي الإصغاء إلى صوت الشارع، لا التخندق في مواجهة هذا الصوت أو تجاهله.
أما إذا بقي الجميع يراقب المشهد من بعيد، فإن السؤال سيبقى معلقًا:
هل سيبقى هذا الحراك يتيمًا بلا أب سياسي يتبناه ويحميه؟
التاريخ الفلسطيني يعلمنا أن الحركات الشعبية قد تنجح في إشعال الشرارة، لكنها تحتاج إلى قيادة مسؤولة تحميها من الفوضى، وتمنع استغلالها، وتحول مطالبها إلى برنامج سياسي وطني جامع.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق فتح وحدها، بل على جميع القوى الوطنية، غير أن المسؤولية الملقاة على عاتق فتح تبقى أكبر بحكم تاريخها، وحجمها، ومكانتها، وما تمثله في الوعي الفلسطيني.
فإن حضرت بحكمة، ستكون رافعة للوحدة الوطنية.وإن غابت، ستترك فراغًا سياسيًا قد تملؤه حسابات أخرى لا تخدم المصلحة الوطنية.
إن الشعوب لا تبحث عن أوصياء، لكنها تبحث عن قيادات تتحمل مسؤولياتها في اللحظات الفاصلة.
ويبقى السؤال مفتوحًا حتى السادس والعشرين من يونيو:
هل ستكتب فتح فصلًا جديدًا من حضورها بين الناس؟أم سيُترك الحراك وحيدًا، يواجه مصيره بلا غطاء وطني جامع؟
إن الإجابة لن تكتبها التصريحات، بل ستكتبها المواقف على الأرض، لأن الشعوب تحفظ من يقف معها ساعة الشدة، كما تحفظ من اختار الصمت حين كان الوطن بأمسّ الحاجة إلى الكلمة والموقف.
