منذ أشهر طويلة يتردد في إسرائيل وخارجها خطاب يحمّل بنيامين نتنياهو وحده مسؤولية الحروب المتواصلة، ويصور الأزمة الإسرائيلية على أنها أزمة قيادة وشخص، لا أزمة مشروع سياسي كامل. وتُقدَّم المعارضة الصهيونية باعتبارها بديلاً أكثر اعتدالاً وعقلانية، فيما يجري الترويج لفكرة وجود فرق جوهري بين اليمين واليسار الصهيوني في النظرة إلى الحرب والسلام. لكن الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر كشفت أكثر من أي وقت مضى أن هذا الفرق، إن وُجد، يتعلق بالأسلوب والتكتيك لا بالمبدأ والغاية.
فالأحزاب التي تهاجم نتنياهو اليوم لم تعارض الحرب على غزة، ولا العدوان على لبنان وسورية، ولا الهجمات على إيران. بل إن كثيراً من قادتها طالبوا بتوسيع العمليات العسكرية وتشديدها عندما اضطر نتنياهو إلى التراجع تحت ضغط أميركي أو دولي. وحين يتهم خصومه بأنه فشل في ترجمة “الإنجازات العسكرية” إلى “إنجاز سياسي”، فإنهم لا ينتقدون الحرب نفسها، بل يطالبونه بمزيد من الاستفادة من نتائجها.
لقد رفع نتنياهو سقف أهدافه إلى حدود غير واقعية: إسقاط النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي، وإنهاء مشروع الصواريخ الباليستية، ووقف دعم طهران لحركات المقاومة في المنطقة. لكن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق بصورة كاملة، وفق اعترافات إسرائيلية متزايدة. ومع ذلك، لا يدفع هذا الفشل إلى مراجعة الخيار العسكري، بل إلى المطالبة بمزيد من التصعيد.
وهنا تتكشف الحقيقة الأساسية: المشكلة في إسرائيل ليست نتنياهو وحده، بل الإجماع السياسي والأمني الذي يرى في القوة العسكرية الأداة الوحيدة لإدارة الصراع. فالمعارضة التي تتهمه اليوم بإضعاف مكانة إسرائيل في واشنطن أو بتعزيز نفوذ قطر، تتبنى الرؤية نفسها للحرب وللعلاقات مع الفلسطينيين والمنطقة، ولا تطرح بديلاً سياسياً حقيقياً.
لقد أدرك نتنياهو بعد السابع من أكتوبر أن الصدمة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي يمكن تحويلها إلى وقود لحرب طويلة ومفتوحة. فبدلاً من مواجهة مسؤوليته عن الإخفاق الأمني والسياسي، اختار تحويل الحرب إلى حالة دائمة. والأهم أنه كان يدرك أن غالبية القوى السياسية الإسرائيلية ستمنحه الغطاء اللازم لذلك، مهما بلغت كلفة الحرب الإنسانية والسياسية.
هذه هي الكذبة الكبرى التي كشفتها الحرب: ليس هناك معسكر يسعى إلى السلام في مواجهة معسكر يسعى إلى الحرب، بل خلافات داخلية بين قوى تتفق على جوهر المشروع نفسه. ولذلك فإن اختزال الأزمة في شخص نتنياهو يخفي حقيقة أعمق وأخطر، وهي أن بنية النظام السياسي الإسرائيلي بأكملها باتت أكثر ميلاً إلى الحرب الدائمة من أي وقت مضى.
والأهم من ذلك أن الحرب الحالية كشفت هشاشة التصنيفات التقليدية في السياسة الإسرائيلية. فالمصطلحات التي جرى تداولها لعقود مثل “اليمين” و”اليسار” لم تعد تفسر الواقع، إن كانت قد فسرته أصلاً في أي وقت. فما يسمى “اليسار الصهيوني” تراجع وانكمش إلى حد التلاشي، بينما انتقلت الأحزاب التي توصف بأنها “وسط” أو “يسار وسط” إلى مواقع سياسية وأمنية لا تختلف في جوهرها عن اليمين، بل إن بعضها تبنى مواقف أكثر تشدداً من نتنياهو نفسه في قضايا الحرب والأمن.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الخلافات داخل المعسكر الصهيوني تدور حول إدارة الصراع لا حول إنهائه، وحول شكل القوة المستخدمة لا حول رفض استخدامها. لذلك لم يكن مستغرباً أن تؤيد أحزاب المعارضة معظم الحروب والعمليات العسكرية التي خاضتها إسرائيل في غزة ولبنان وسورية وإيران، وأن يطالب كثير من قادتها بتوسيعها عندما بدت الحكومة مترددة أو خاضعة لضغوط خارجية.
وتقدم تجربة ما سُمي بـ”حكومة التغيير” عام 2021 مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم أنها قُدمت باعتبارها بديلاً لنتنياهو، فإنها لم تشكل قطيعة مع سياساته الأساسية، بل واصلت النهج نفسه في التعامل مع الفلسطينيين والاستيطان واستخدام القوة العسكرية. لم يكن التغيير في جوهر المشروع السياسي، بل في الأشخاص الذين يديرونه. ولذلك عادت إسرائيل سريعاً إلى النقطة نفسها مع عودة نتنياهو إلى الحكم.
ومن هنا فإن استطلاعات الرأي التي تمنح المعارضة الحالية أفضلية على معسكر نتنياهو لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مؤشراً على تحول سياسي حقيقي. وحتى لو نجحت هذه الأحزاب في تشكيل حكومة مستقبلاً، أو اقتربت من ذلك بحصولها على أغلبية تقارب 60 مقعداً، فإن المؤشرات كلها تدل على أن الحروب لن تتوقف. فلا توجد داخل المعسكر الصهيوني المهيمن قوة سياسية مؤثرة تدعو إلى إنهاء الحرب على غزة أو مراجعة العقيدة الأمنية التي تحكم السياسة الإسرائيلية منذ عقود.
ولذلك فإن الكذبة الإسرائيلية الكبرى لا تكمن فقط في تصوير نتنياهو باعتباره أصل المشكلة، بل أيضاً في الادعاء بوجود معسكر صهيوني بديل يحمل مشروعاً مختلفاً. فالصراع داخل إسرائيل ليس بين دعاة حرب ودعاة سلام، بل بين قوى تختلف على التفاصيل وتلتقي عند جوهر واحد: إدارة الصراع بالقوة والحفاظ على المشروع نفسه. ولهذا فإن تغيير الحكومة، إن حدث، قد يغيّر الوجوه والأسلوب، لكنه لن يغيّر السياسات الأساسية، ولن يكون بالضرورة مدخلاً لإنهاء الحروب.
