الانتخابات الفلسطينية ومخاطر تحوّل الخطوة للامام إلى خطوتين إلى الخلف
تاريخ النشر : 2026-06-18 21:36

تشهد الساحة السياسية الفلسطينية حراكاً متزايداً حول إجراء الانتخابات، ولا يختلف فلسطينيان على أن تجديد الشرعيات عبر صناديق الاقتراع حق ديمقراطي للمواطن الفلسطيني، وضرورة وطنية لإعادة الحيوية إلى النظام السياسي الفلسطيني الذي يعاني منذ سنوات طويلة من الجمود والتآكل. لكن السؤال الجوهري ليس ما إذا كنا مع الانتخابات أم ضدها، بل أي انتخابات نريد؟ وما هو الإطار السياسي والقانوني الذي ستجري في ظله؟ وهل ستكون مدخلاً لتطوير النظام السياسي الفلسطيني والبناء على الإنجازات الوطنية المتراكمة، أم ستتحول إلى أداة لإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية بكل قيودها وإخفاقاتها؟
في أعقاب اتفاق القاهرة عام 2011، الذي وقّعت عليه جميع الفصائل الفلسطينية، تم الاتفاق على تشكيل لجنة لصياغة نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وعملت اللجنة على مدى اجتماعات طويلة لوضع تصور متكامل لإعادة بناء المؤسسة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، بحيث يتكون المجلس الوطني من 350 عضواً، منهم 200 من الخارج و150 من الداخل، وبما يحافظ على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية العليا للسلطة الوطنية الفلسطينية، ويربط بصورة محكمة بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي.
استند هذا التصور إلى حقيقة سياسية وقانونية واضحة؛ فالمجلس التشريعي نشأ في إطار اتفاق أوسلو وترتيبات المرحلة الانتقالية، بينما يستمد المجلس الوطني شرعيته من استمرار قضية التحرر الوطني وعدم إنجاز الاستقلال حتى الآن. ولذلك كان الهدف الحفاظ على التراتبية الوطنية التي تضع منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها في الموقع الأعلى، باعتبارها إطار تمثيل الشعب الفلسطيني بأسره في الوطن والشتات، وليس فقط سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وقد صادقت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك على النظام المقترح، لكن المشروع وُضع جانباً تحت وطأة ضغوط سياسية هدفت إلى إبقاء عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ضمن السقف المنخفض للمرحلة الانتقالية. وعاد الحديث في حينه إلى انتخابات المجلس التشريعي وحدها، قبل أن تتعطل العملية برمتها عام 2021 في اللحظات الأخيرة رغم اكتمال الاستعدادات لإجرائها.
وخلال العام الماضي عاد النقاش مجدداً حول ضرورة تجديد المؤسسات الوطنية، فتم تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وعملت اللجنة على إعداد مشروع متكامل ينطلق من اعتبار المجلس الوطني المرجعية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، وأن الأعضاء المنتخبين داخل الوطن يشكلون مجلس نواب دولة فلسطين وفي الوقت ذاته جزءاً من المجلس الوطني الفلسطيني.
ويمثل هذا التصور تطوراً طبيعياً ينسجم مع ما حققه الشعب الفلسطيني من إنجازات سياسية وقانونية، وفي مقدمتها الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، كما يفتح المجال للانتقال من منطق السلطة الانتقالية إلى منطق الدولة قيد الإنجاز، ومن إدارة الحكم الذاتي المحدود إلى تعزيز مكانة المؤسسات الوطنية الجامعة.
فالانتخابات ليست قيمة مجردة منفصلة عن السياق السياسي الذي تجري فيه، بل هي أداة لخدمة مشروع وطني محدد. وقد تكون مدخلاً للتجديد الديمقراطي وتعزيز الوحدة الوطنية إذا جاءت في إطار رؤية تستند إلى حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية وإنجازات الاعتراف بدولة فلسطين، لكنها قد تتحول إلى أداة للتراجع إذا استُخدمت لإعادة إنتاج البنى السياسية والقانونية التي كان يفترض أن تكون مؤقتة وانتهى أجلها منذ سنوات طويلة.
غير أن المؤشرات التي تطفو على السطح في الآونة الأخيرة توحي بأن هذا المسار يواجه ضغوطاً جدية، مع عودة الحديث مجدداً عن انتخابات المجلس التشريعي وفق تعديلات قانونية جديدة، ورفع عدد أعضائه إلى مئتي عضو، واعتماد نسبة حسم تبلغ 1%، واعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة. ورغم أهمية أي جهد يهدف إلى تجديد الشرعيات، فإن الخشية تكمن في أن يتحول ذلك إلى مدخل لإعادة تعريف النظام السياسي الفلسطيني وفق متطلبات المرحلة الانتقالية، وليس وفق متطلبات التحرر الوطني وبناء الدولة.
وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الواقع الذي فرضته حرب الإبادة على قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، واستهداف مكانة القدس ومحاولات انتزاعها من كونها عاصمة لدولة فلسطين. ففي ظل هذه الظروف، يبدو أن  الضغوطات تهدف باتجاه الدفع لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ليس فقط على أساس المرحلة الانتقالية التي بدأت عام 1993، بل أيضاً على أساس الوقائع التي فرضها الاحتلال على الأرض، وليس على أساس الحقوق الوطنية الفلسطينية والإنجازات السياسية التي تحققت خلال العقود الماضية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات، بل في تحويلها إلى أداة للعودة إلى المربع الذي أثبت فشله تاريخياً. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج مؤسسات المرحلة الانتقالية، بل بناء مؤسسات وطنية تعكس مكانة دولة فلسطين وموقع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، لم يعد من المقبول أن يبقى التفكير السياسي أسير البنى المؤقتة التي أُنشئت في سياق انتقالي كان يفترض أن ينتهي منذ سنوات طويلة.
وإذا كان من المتعذر حالياً توفير الظروف السياسية اللازمة لتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية حديثة، فإن ذلك لا يبرر المساس بمكانتها أو إخضاعها لسقف المرحلة الانتقالية. فعدم القدرة على تطوير المؤسسة الوطنية الجامعة لا يجب أن يتحول إلى مبرر لإضعافها أو الانتقاص من دورها أو القبول بتهميشها تدريجياً.
كما أن الحديث عن انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الشتات يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية قابلة للتطبيق، لا مجرد مدخل للالتفاف على مكانة المنظمة أو تأجيل استحقاقات تطويرها. فالجميع يدرك حجم التعقيدات السياسية والقانونية التي تحول دون إجراء انتخابات شاملة للفلسطينيين في العديد من بلدان اللجوء والاغتراب، الأمر الذي قد يقود في نهاية المطاف إلى الاستعاضة عن الانتخابات بالتوافقات والتعيينات، بما يثير أسئلة جدية حول طبيعة التمثيل وشرعيته وآليات تجديده.
إن القضية الجوهرية اليوم ليست الاختيار بين الانتخابات أو عدمها، بل الاختيار بين مسارين سياسيين مختلفين: مسار يبني على الإنجازات الوطنية المتراكمة ويعزز مكانة دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومسار يعيد إنتاج المرحلة الانتقالية ويعيد حصر التمثيل السياسي الفلسطيني ضمن حدودها وقيودها. وبين هذين الخيارين يتحدد المعنى الحقيقي لأي عملية انتخابية مقبلة.
لذلك فإن المعادلة المطلوبة اليوم واضحة: نعم للانتخابات باعتبارها حقاً ديمقراطياً وضرورة وطنية لا يجوز التفريط بها أو الالتفاف عليها، ولكن لا للعودة إلى المرحلة الانتقالية، ولا لإخضاع منظمة التحرير الفلسطينية لسقفها السياسي والقانوني. فالمطلوب هو البناء على ما تحقق من إنجازات وطنية، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها وتجديدها ديمقراطياً، لا التضحية بها أو تحويلها إلى إحدى مؤسسات المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي قبل سنوات طويلة.
فالخطوة إلى الأمام تصبح خطوتين إلى الخلف حين يُستخدم شعار التجديد الديمقراطي للعودة إلى صيغ سياسية تجاوزها الزمن، وحين تتحول الانتخابات من وسيلة لتعزيز المشروع الوطني إلى أداة لتقليصه. أما التحدي الحقيقي اليوم، فهو أن تكون الانتخابات جسراً نحو تطوير النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز وحدته الوطنية ومكانة مؤسساته الجامعة، لا مدخلاً للارتداد عن الإنجازات الوطنية التي حققها الشعب الفلسطيني عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات.