رسالة إلى حماس-إجماع منظمات حقوق الإنسان على إدانة الإعدامات الميدانية في غزة
تاريخ النشر : 2026-06-14 15:18

في الوقت الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأشرس هجمة إعلامية في تاريخها، وتستخدم فيه دولة الاحتلال الاسرائيلي،كل وسائل التضليل لتبرير حرب الإبادة الجماعية في غزة الذي استمرّ عامين متواصلين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025، تخرج مشاهد الإعدامات الميدانية التي تنفذها بعض الفصائل الفلسطينية في غزة، وتحديدا حركة حماس، لتكون "هدية مجانية" بامتياز لآلة الدعاية الإسرائيلية. لكن الأدهى من ذلك أن هذه المشاهد لم تعد مجرد مادة يستغلها الاحتلال الاسرائيلي في حملاته الدعائية، بل تحولت إلى محاضر إدانة رسمية تصدرها كبرى مؤسسات حقوق الإنسان في العالم، والتي تضعها في خانة واحدة مع الجرائم التي يرتكبها الاحتلال نفسه ضد الفلسطينيين؛ فقد أوضحت تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والأمم المتحدة أن عمليات الإعدام خارج إطار القانون التي تنفذها حماس بحق متهمين بالتعاون مع إسرائيل وسط شوارع قطاع غزة، ترقى إلى مستوى "جرائم حرب" و"انتهاكات جسيمة للقانون الدولي"، بل وتصاعدت اتهامات بعض هذه المنظمات إلى وصفها بأنها "جرائم ضد الإنسانية".

هذه المواقف الدولية الموحدة تكشف حقيقة مؤلمة، الإعدامات الميدانية "أضرارها تتجاوز السردية الفلسطينية إلى تدمير شرعية المقاومة الفلسطينية ذاتها" ؛ فكيف يمكن للمقاومة أن تطلب من العالم دعمها في مواجهة "إرهاب دولة الاحتلال الإسرائيلي"، بينما هي تقدم له صوراً تظهرها وكأنها تمارس نفس الأساليب التي تنتقد إسرائيل لممارستها وهي الاعدامات وسط الشوارع في غزة؛والأكثر خطورة أن هذه التقارير الدولية لا تكتفي بالإدانة العابرة (لحركة حماس وباقي الفصائل)، بل توثق بالتفصيل حالات التعذيب التي تسبق الاعترافات، والإجراءات التعسفية في المحاكمات الشكلية البعيدة عن المحاكمة العادلة، والإعدامات العلنية التي تحول الشارع الفلسطيني إلى ساحة إعدام جماعي حيث تحضر مجموعة من الاشخاص وتقوم باعدامهم وسط الشارع امام الاطفال والنساء والمدنيين في قطاع غزة.

السؤال الإشكالي للمقال

كيف ترقى الإعدامات الميدانية العلنية التي تنفذها حماس في شوارع غزة، في نظر منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية، من مجرد "تجاوزات أمنية" إلى مصاف "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية"، وما هي الآليات القانونية التي تستند إليها هذه المنظمات في إدانتها، وكيف يمكن لهذه الإدانات الدولية أن تحول القضية الفلسطينية من قضية "مقاومة احتلال" إلى قضية "انتهاكات حقوقية متبادلة" في أذهان صناع القرار والرأي العام العالمي.

أولاً: هيومن رايتس ووتش – اتهامات بـ"التعذيب والمحاكمات غير العادلة" ووصف الإعدامات بـ"المروعة".

تعتبر منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) من أبرز المنظمات التي وثقت انتهاكات حماس بحق الفلسطينيين في غزة، ولم تتردد في توجيه اتهامات قاسية لجهاز العدالة الذي تديره الحركة. في تقارير متتالية على مدار سنوات، وصفت المنظمة النظام القضائي في غزة بأنه يعاني من "الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات غير العادلة". في تقرير مهم، وثقت المنظمة ثلاث حالات على الأقل لفلسطينيين اتهموا بالتعاون مع إسرائيل، تم إعدامهم بعد اعترافات انتزعت تحت التعذيب؛ هذه الواقعة ليست مجرد خرق لإجراءات المحاكمة، بل تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الأساسية التي تكفلها جميع المواثيق الدولية.

لم تقف المنظمة عند حد الإدانة العامة، بل وصف مسؤولها البارز، عمر شاكر، مدير قسم إسرائيل وفلسطين في هيومن رايتس ووتش، عمليات الإعدام بأنها "مروعة" (abhorrent)؛ هذا الوصف الصادر عن مسؤول في منظمة ذات ثقل دولي كبير يُظهر أن الأمر لم يعد مجرد انتقادات سياسية، بل تقييماً قانونياً وأخلاقياً يصل إلى أعلى مستويات الإدانة؛ وقد شملت الانتقادات أيضاً تعذيب المعتقلين واحتجازهم في أماكن غير معلنة وحرمان عائلاتهم من معرفة مصيرهم.

في تقرير آخر ، قدمت المنظمة توثيقاً دقيقاً لحجم الانتهاكات، مشيرة إلى أن عناصر الأمن التابعة لحماس أو مسلحين ملثمين ينتمون إليها قاموا ب(إعدام 18 شخصاً)، خارج إطار القانون، معظمهم متهمون بالتعاون مع إسرائيل، وذلك خلال الفوضى التي أعقبت الحرب الإسرائيلية على غزة. كما أن المنظمة ركزت على الفشل في إجراء تحقيقات جادة في هذه الحوادث؛ في تقرير صدر عام 2013، اتهمت هيومن رايتس ووتش حكومة حماس بعدم التحقيق في الإعدامات خارج القانون "لسبعة فلسطينيين"، قتلوا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. هذه الاتهامات تؤكد أن الإشكالية ليست مجرد ممارسة خاطئة، بل ثقافة إفلات من العقاب تجعل التصحيح مستحيلاً وتكرس الانتهاك.

إن الهجوم الأكثر شمولية الذي شنته هيومن رايتس ووتش على نظام العدالة في غزة ورد في تقرير حمل عنواناً كاشفاً هو:
"تحت غطاء الحرب، العنف السياسي لحركة حماس في غزة". في هذا التقرير، وصفت المنظمة النظام بأنه يعاني من "الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات غير العادلة". جوهر الاتهام هو أن الاعترافات التي تبنى عليها أحكام الإعدام غالباً ما تُنتزع تحت وطأة التعذيب، مما يجعل أي حكم لاحق باطلاً من الأساس، ولا يقل هذا النقد خطورة عن الانتهاكات الإسرائيلية نفسها في نظر القانون الدولي.

ثانياً: منظمة العفو الدولية – من "الانتهاكات الجسيمة" إلى اتهام "جرائم ضد الإنسانية"

لم تكن منظمة العفو الدولية (Amnesty International) أقل حزماً من هيومن رايتس ووتش في إدانتها للممارسات العقابية لحركة حماس، بل تجاوزتها أحياناً في شدة الاتهامات وتصعيد الوصف القانوني. في تقرير صدر عام 2015 بعنوان "استهداف المدنيين" (Targeting Civilians)، وصفت المنظمة حماس بأنها قامت باختطاف وتعذيب وقتل فلسطينيين خلال حرب 2014، واعتبرت أن بعض هذه الأفعال ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. ولكن التصعيد الأكبر جاء في تقرير تاريخي صدر في ديسمبر 2025، حيث اتهمت منظمة العفو الدولية حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" (crimes against humanity) خلال هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه، ومن بين هذه الجرائم جريمة "الإبادة" (extermination).

هذا التصنيف ليس مجرد شعار، فمصطلح "جرائم ضد الإنسانية" يحمل في طياته أثقل التبعات القانونية والأخلاقية، ويضع المتهمين به في مصاف الأنظمة التي مارست أفظع الانتهاكات في التاريخ الحديث. ورغم أن المنظمة ركزت بشكل أساسي على هجوم السابع من أكتوبر، إلا أن تقريرها عن حالة حقوق الإنسان في فلسطين لعام 2025 يؤكد أن القوات التابعة لحماس قامت (بإعدام مدنيين فلسطينيين تتهمهم بالتعاون مع إسرائيل)، وعاقبت آخرين بتهم مثل النهب وسرقة المساعدات الإنسانية وقامت باعدامهم خارج نطاق القضاء والقانون والمحاكمة العادلة، وهي أفعال وصفتها المنظمة بأنها تأتي ضمن سياق "التصاعد في العنف الداخلي وانهيار سيادة القانون في قطاع غزة".

في تقرير آخر صدر عام 2025، هاجمت المنظمة حماس بشدة، قائلة إنها منحت قواتها الأمنية "حرية مطلقة لارتكاب انتهاكات مروعة، بما في ذلك بحق الأشخاص في عهدتها" أثناء فوضى حرب الابادة الاسرائيلية في غزة. كما كشفت المنظمة في تقرير لاحق عن تفاصيل مثيرة، حيث أكدت أن (حكم الإعدام بحق ثلاثة مدنيين في غزة)، جرى بعد محاكمات عسكرية سريعة لم تلتزم بالحد الأدنى من معايير العدالة، وطالبت بوقف عمليات الإعدام المخطط لها؛ هذا التوثيق المستمر يجعل من الصعب على أي جهة أن تدعي الجهل بحجم الانتهاكات وخطورتها في غزة.

ثالثاً: الأمم المتحدة – أعلى مستوى من الإدانة بتوثيق مئات الحالات ووصفها بـ"جرائم حرب"

ربما كان الموقف الأكثر تأثيراً وتفصيلاً هو الذي صدر عن الأمم المتحدة، وتحديداً مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي أصدر تقريراً شاملاً وثق فيه مئات حالات الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها حماس في غزة؛ التقرير الذي نشر في يونيو 2026، وثق 249 حالة فردية من الإعدامات أو العنف البدني الشديد، وقعت بين أغسطس 2024 ويناير 2026، وأسفرت عن 108 قتلى و384 جريحاً. هذه الأرقام الضخمة توضح أن الظاهرة لم تكن مجرد حوادث فردية عابرة، بل نمطاً ممنهجاً من العنف والإعدام خارج القانون تنفذه حماس في قطاع غزة.

وصف التقرير (الإعدامات العلنية) في الشوارع بأنها أعمال " ترقى إلى مستوى جرائم حرب". من بين أبرز الحالات الموثقة إعدام ثلاثة رجال معصوبي الأعين رمياً بالرصاص على يد مسلحين ملثمين خارج مستشفى الشفاء في سبتمبر 2025، أمام حشد من المتفرجين والأطفال والنساء ؛هذه الصورة تحديداً هي التي تتحول فوراً إلى عنوان رئيسي في الإعلام الغربي في اروبا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، وتستخدم لتبرير رواية "إرهاب حماس" التي تروج لها دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ ولم يكتف التقرير بالتوثيق، بل وصف أسلوب حماس في الحكم بأنه يعتمد على "إثارة الخوف من خلال القتل العلني والتعذيب".

موقف الأمم المتحدة لم يقتصر على التقرير الشامل، بل أصدر مسؤولوها تحذيرات وإدانات متكررة في بيانات منفصلة. في 24 يونيو 2025، أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "الإعدام الموجز المحتمل" لموظفين فلسطينيين مرتبطين بمؤسسة خيرية على يد مسلحين تابعين لحماس. وفي أكتوبر 2025، أعرب مسؤول الإغاثة في الأمم المتحدة عن قلقه إزاء تقارير جديدة عن عمليات قتل للمدنيين الفلسطينيين وإعدامات خارج القضاء الفلسطيني، داعياً جميع الأطراف لاحترام القانون الدولي؛ هذه التحذيرات المتكررة تشير إلى قلق أممي حقيقي من أن هذه الممارسات يمكن أن تخرج عن السيطرة وتؤدي إلى تدهور شامل في أوضاع حقوق الإنسان في القطاع.

والجدير بالذكر أن التقرير اتهم (حركة حماس)، أيضاً بارتكاب أعمال عنف جسدي أخرى مثل "تحطيم الركب للأشخاص المتهمين" والضرب والتعذيب لأعداد كبيرة من الفلسطينيين؛ كل هذه الأفعال ترسم صورة قاتمة عن "العدالة الفلسطينية في غزة" التي تمارس تحت مسمى "محاسبة العملاء"، وتحول غزة من قطاع مقاومة إلى ساحة انتهاكات متعددة الأطراف وتشكل صدمة حقيقية للمجتمع الدولي وحالة استنكار واسعة تشوه عدالة القضية، وتشوه السردية الفلسطينية.

رابعاً: منظمات حقوقية فلسطينية ودولية أخرى – إجماع محلي ودولي على الإدانة.

لم تقتصر الإدانات على المنظمات الغربية، بل شملت أيضاً منظمات حقوقية فلسطينية ودولية أخرى، مما يؤكد أن هذه القضية لم تعد مثار جدل سياسي بل إجماعاً دولياً على خطورة الممارسة. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (PCHR)، وهو منظمة محلية مرموقة في غزة، أدان بشدة عمليات الإعدام التي تنفذها حماس خارج إطار القانون، ووصفها بأنها "تجاوز للقانون الفلسطيني ولالتزامات الدولة بالمعاهدات الدولية" ؛المركز أوضح أيضاً أن دعوة (الجمهور الفلسطيني)لمشاهدة عمليات الإعدام هي إضافة "قسوة على عقوبة لاإنسانية بالفعل".

-ايضا اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان (ICHR)، وهي هيئة فلسطينية رسمية، أعربت في أكتوبر 2025 عن "قلقها العميق" إزاء عمليات الإعدام خارج القانون الفلسطيني التي حدثت في مدينة غزة، ووصفت الفاعلين بأنهم "جماعات مسلحة تعمل خارج القانون"؛ هذا الموقف الداخلي يؤكد أن هذه الممارسات غير مقبولة حتى في السياق الفلسطيني نفسه، وتظهر أن هناك رفضاً أخلاقياً وقانونياً لها من قبل المؤسسات الحقوقية الوطنية في فلسطين؛ بل إن وكالة أسوشيتد برس وثقت تقارير سابقة، منها في عام 2015، أشارت فيها منظمة العفو الدولية إلى أن عناصر حماس قامت باختطاف وتعذيب وقتل فلسطينيين، واصفة الأفعال بأنها "جرائم حرب".

-الاتحاد الأوروبي بدوره لم يقف موقف المتفرج، بل انضم إلى الإدانة الدولية. في بيان صادر عنه، أدان الاتحاد الأوروبي إعدام حماس لخمسة فلسطينيين بتهمة التعاون مع إسرائيل، وانضم بذلك إلى هيومن رايتس ووتش في وصف الإجراءات بأنها "غير مقبولة"؛ هذا الموقف الأوروبي له أهمية خاصة، لأن الاتحاد الأوروبي يُعتبر جهة مانحة كبرى للسلطة الفلسطينية، وهو ما يضعه في موقع ضغط تجاه أي جهة تنتهك حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

خامساً: الإجماع الدولي "غير المسبوق"- هل حوّلت "التصرفات الحمقاء" القضية الفلسطينية إلى قضية "انتهاكات متبادلة".

عند مراجعة كل ما سبق، نصل إلى نتيجة خطيرة ومحرجة، هناك إجماع دولي شبه كامل بين كبرى منظمات حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، المنظمات الفلسطينية المحلية) على إدانة الإعدامات الميدانية العلنية التي تنفذها حماس؛ هذا الإجماع لا يقتصر على "الشجب" السياسي، بل يصل إلى توصيفات قانونية دقيقة (جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، إعدامات موجزة، انتهاكات جسيمة للقانون الدولي). هذه التوصيفات هي نفسها التي تستخدمها هذه المنظمات ذاتها لإدانة دولة الاحتلال الاسرائيلي وتحديدا اعتمار قانون اسرائيلي لإعدام الأسرى الفلسطينيين ومن ضمنهم أسرى حركة حماس وقادتها في السجون الإسرائيلية.

وهنا تكمن الكارثة بعينها، عندما تصدر منظمة العفو الدولية تقريراً يتهم إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية في غزة" ؛وتقريراً آخر يتهم حماس بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية في غزة" في نفس العام، فإن النتيجة المحتومة في أذهان الرأي العام العالمي هي "تسوية الموازين".
أي خلق انطباع بأن الطرفين "بنفس درجة السوء"، وبالتالي يصبح من الصعب بناء حملة تضامن أخلاقية مع طرف ضد آخر؛ هذا بالضبط ما تسعى إليه الدعاية الإسرائيلية منذ سنوات، تحويل الصراع من "احتلال اسرائيلي قمعي ضد مقاومة فلسطينية غير شرعية تقتل وتعدم أبناء شعبها وسط الشوارع في غزة" إلى "صراع وحشي بين طرفين متطرفين ينفذون نفس أسلوب القتل ضد المدنيين في قطاع غزة".

توقيت هذه الإدانات أيضاً يضاعف الضرر؛ ففي الوقت الذي تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى كل أصوات التضامن العالمي لكشف جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة على مدار عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر2025، تُستخدم هذه التقارير كغطاء لتبرير استمرار العدوان الاسرائيلي على غزة، وتضرب جهود المقاطعة الدولية والعقوبات في الصميم؛ لذلك إسرائيل تستثمر إعلامياً في كل تقرير يصدر بهذا الشأن، لتروج لرواية "كلاهما يفعلها في غزة"، وبالتالي تفلت من عقاب القانون الدولي. كما أن هذه الإدانات الدولية والمحلية للإعدامات وسط الشوارع في غزة، تسرق وقت وجهد الدبلوماسية الفلسطينية، فبدلاً من التركيز على فضح جرائم الاحتلال الاسرائيلي في كل فلسطين، تجد نفسها مجبرة على الرد على اتهامات باطلة بجرائم ترتكب من الداخل في غزة؛ هذه المعركة الدفاعية تُضعف الموقف التفاوضي والقانوني الفلسطيني في المحافل الدولية. ولا يمكن إنكار أن كل تقرير دولي يدين الإعدامات الميدانية في غزة يُستخدم كورقة ضغط من قبل أطراف عربية وإقليمية معادية للمقاومة، لتبرير استمرار الانقسام الفلسطيني ورفض دعم غزة وهذا يضعف السردية الفلسطينية دوليا.

خاتمة:

ما تقدمه منظمات حقوق الإنسان الدولية من توثيق وإدانة للإعدامات الميدانية في شوارع غزة ؛هو بمثابة "تقرير طبي" لحالة خطيرة تهدد القضية الفلسطينية من الداخل. فبقدر ما يضر الاحتلال الاسرائيلي بالفلسطينيين من قصف وحصار وعدوان وإبادة جماعية ، فإن هذه التصرفات تضر بهم من خلال تجريدهم من الغطاء الأخلاقي والقانوني دولياً الذي كان يحمي نضالهم في فلسطين لعقود. لقد وصلت الأمور إلى ذروة خطيرة عندما وصفت إحدى كبرى المنظمات الدولية هذه الأفعال بأنها قد ترقى إلى "جرائم حرب ترتكبها حماس ضد الفلسطينيين بالإعدامات الميدانية في غزة"، وهذا التصنيف يجب أن يكون جرس إنذار لكل فلسطيني يدرك حجم المعركة الإعلامية والقانونية الضارية التي يخوضها في المحافل الدولية، وان لا يكون غير مبالي بها، وهذا هو دور صناع القرار وقادة حماس في غزة الاستفادة من هذه التقارير الحقوقية التي تنتقد الاعدامات وسد الشوارع في قطاع غزة.

الخلاصة النهائية أن الإعدامات الميدانية العلنية في غزة، لم تعد مجرد خطأ تكتيكي يمكن تداركه، بل أصبحت وصمة عار في جبين السردية الفلسطينية تستغلها دولة الاحتلال الاسرائيلي إلى أقصى حد على الصعيد الدولي، وهذا يستنزف طاقة الدبلوماسية الفلسطينية في الدفاع عن ممارسات لا يمكن الدفاع عنها.

اخيراً،التصحيح يتطلب إجراءات حاسمة وصريحة، تبدأ بالاعتراف بخطأ هذه السياسة، ثم العودة الفورية إلى إطار قانوني موحد يحترم المحاكمات العادلة ويحظر الإعدامات خارج القضاء وخارج اماكن مغلقة بعيدا عن الكاميرات، وضرورة ان تقوم حركة حماس،وقف هذه الممارسات ( الاعدامات وسط الشوارع) فوراً، والتوقف عن تقديم هذه "الهدايا المجانية" للإعلام الإسرائيلي وحلفاء اسرائيل في العالم.