كان يا ما كان ثورة!
..كان ذلك منذ عقود؛ إذ كانت المغامرة واجبة، لها طعمُ المطر على الشفاه اليابسة.
وكانت لعبته جامحة وخطرة، وربّما أقام حلمه على رمل رخو. شاكس نصائح الأهل، وسمع النار التي اندلعت في صدره، مثل وَهجٍ سريع يلتهم بِحُمْرته كلّ ظلم وظلام. وكان يريد إضاءة البلاد المسلوبة، بالجنون والحرائق الهائجة التي لا تُحدّ، ولم يكن الملحُ قد وصل إلى دموعه، أو قارب جراحه البريئة.
كان يا ما كان ثورة! أيقظت الغافلين، فتعرّفوا على ذواتهم. وصدّقها الجميع، ولم ينتبهوا إلى أنها تنزلق نحو هوامش العتمة والغبش والفساد والضياع والتخلّي..مع حضور تجارب فرديّة عبقرية دوّت بشموسها في الآفاق. وكان صاحبنا فدائيّا مِمَن اعتقدوا بالتحرير الكامل، فَبَذل كلّ ما لديه، وحرق سفنَه، ليواصل مقارعة المحتلّين، دون هوادة وتراجع، وفي كلّ الساحات والمعارك.
قالوا عنه، لتطهريّته وصدقه: يبدو أنه الناسك الذي حضر لحظة كتبوا الكتاب المُنزل من السماء! وأنه مِن أولئك الذين يولدون في العتمة ويموتون في الضوء. وصاحبنا كان يدرك أنّ التأمّل تقاطع طرق، أما الندم فانغلاق..وأن وطنه كلّ وجوه الأرض الضاحكةِ.
فماذا كان؟
صافح القادةُ أعداءَهم، وعانقوهم، واتّضح أن ذلك لم يكن "سلاما" بقدر ما كان اصطفافا استراتيجيا مع الجبهة النقيضة، التي قطعت رؤوسَ مدائننا، وحرّقت حقولنا، فصار السلامُ جنائزيّا بامتياز.
أحسّ صاحبنا بالخذلان! وعاد إلى أرض الوطن، ضمن مَن عادوا، جزئياً، إلى بعض الوطن، المُرهق، المُجزّأ، المحاصر..ووجد نفسه في هوِّ الحيرة..فالتحق كغيره في جهاز قوّات الأمن، برتبة رائد، ظنّا منه أنّ هذا، ربّما يشكّل ساحة جديدة للاشتباك السياسيّ مع العدوّ، ولو بأضعف الأشكال المُتاحة. لكنّ ما جرى، لاحقاً، جعله يترك الجهاز، بل إنّهم أقالوه من منصبه، ودفعوا به إلى خارج المؤسسة، بدعوى أنه لم يعجبه العجب ولا الصيام في رجب! فماذا يعني أن يصبح مرافقُه أعلى منه رُتبة؟ فَقريبه نائب قائد الجهاز! ولماذا الاحتجاج على بعض الرّفاهية التي يتمتّع بها الضبّاط الكبار، من عمارات وسيّارات ونثريّات وامتيازات؟ وهل التحدّث مع ضبّاط الطرف الآخر جريمة وطنية؟ ألم نعقد معهم اتفاق سلام، ولا بدّ من التنسيق معهم؟ أمّا تلك الحوادث التي يقوم بها المتطرّفون من الأعداء..فإنها لا تستدعي كلّ هذا الغضب! إنها أمور تحدث بين المتنازعين..أليس فينا من فجّر وخرّب واعترض؟ ولا داعي لتلك الخطابات العنتريّة التي تحرّض وتشكّك وتتّهم! أين الواقعية؟ وأين الاحساس بالمسؤولية؟ وأين الانضباط الواجب؟ إنه ينتمي لعقود الخطابات القومَجيّة التي عفا عليها الزمن، ويفتقد للاحساس بالحداثة، التي تتطلّب شبكة ولغة جديدة، لا بدّ منها..لننجو.
وهكذا؛ وجد الفدائيُّ نفسَه خارج السياق، وتمّ ترقين قيده، فانقطع راتبه، وبات على الرّصيف! ما دفعه للعمل هنا وهناك، أجيراً في محلّات الناس المُتشاوِفين..فآثر أن يستقلّ، ودفعته الحاجةُ، فاشترى عربة صغيرة، ووضع عليها سطل التُرّمس، وراح ينادي: (تُرْمُس..تُرْمُس..) في الطرقات.
كان يقف قريبا من التجمّعات والاحتفالات والملاعب، فيبيع ترمسَه، ويعود إلى بيته مُنهكا..وكان يتخفّى من الناظرين إليه، إذ انتهى به الطريق إلى هذا المصير التراجيدي. وقرّر أن يصمت، فلا جدوى من "النباح"، على رأيهم، فالقافلة تسير..
وصدف أن انعقد المؤتمر، وكنتُ عضوا مشاركا فيه، فلبستُ أجمل ثيابي، وتمنطقت الكوفيّة على عُنقي، وقصدت المجتمعين. وعند البوّابة، أو قبلها، أي في الساحة المؤدّية إلى القاعة، سمعت النّداء (تُرْمُس..) فاستوقفني؟ لم أعرفه، بدايةً، فقد ابيضّت لحيته الكثّة، واعتمر طاقيّة، وانغلق نصف وجهه خلف النظّارات..لكنّي تيقّنت أنّه هو بشحمه ولحمه، وكان نداؤه (تُرمس..تُرمُس..) رَجْراجاً تتكسّر حروفه وتغيم! فتجمّدت مكاني، ولم أصدّق أن هذا الفدائي التطهّريّ الشرس الجسور، يقف خلف العربة، وينادي ليجمع بضعة قروش، وخاصة أنه يقف على مدخل الساحة المؤدية إلى قاعة انعقاد المؤتمر الخاص بالفصيل الذي كان ينتمي إليه، وأنّ "الفدائيين" الذين سيعبرون من أمامه لن يعرفوه، وسيترفّعون عن التوقف لابتياع الترمس، وسيحضر الكثير منهم بمركبات فارهة..
لكنّه يدرك الأمر! ويعرفهم واحداً واحداً..وهم يمرقون، وحولهم المرافقون والكاميرات. وبعد ساعة؛ كان صدى خطابات المؤتمر يختلط بنداءات البيّاع..فامتلأت الساحة ب "تُرمُس تُرمُس..سلام سلام.."..فَقَلَبَ العربةَ على ما فيها، وجأر بصوت مشروخ خشن..ولن يفهم أحدٌ ما الذي يجري؟
فزع رجالُ الأمْن وحرّاس المؤتمر، وهرعوا نحوه، يقرّعونه، ويدفعون به، بفظاظة، وكادوا ينهالون عليه..
وكان يا ما كان..
