يمثل الخامس من يونيو (حزيران) من كل عام، أكثر من مجرد تاريخ في الروزنامة العربية؛ إنه يمثل لحظة فاصلة انقسم في وجهها الشرق الأوسط إلى ضفتين: زمن ما قبل النكسة وزمن ما بعدها. ففي عام 1967، وخلال ستة أيام فقط، تبدلت الجغرافيا، واهتزت عروش الأيديولوجيات السائدة، وأعادت الضربة الجوية الإسرائيلية المباغتة رسم موازين القوى في المنطقة بطريقة ما زلنا نعيش ارتداداتها حتى اليوم.
لم تكن حرب عام 1967 مجرد جولة عسكرية فاشلة، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً اقتلع أراضٍ عربية ذات أهمية إستراتيجية فائقة، باحتلال قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وشبه جزيرة سيناء من مصر، وهضبة الجولان من سوريا، تمكنت إسرائيل من مضاعفة مساحتها الجغرافية ثلاث مرات، فارضةً واقعاً أمنياً جديداً خنق المنافذ الحيوية للدول المحيطة بها.
هذه المساحات لم تكن مجرد أرقام على الخريطة، بل كانت عسكرياً: مواقع حاكمة ومرتفعات إستراتيجية كالجولان تكشف العمق السوري.
سياسياً: أوراق ضغط قوية استخدمت لاحقاً في مسارات التفاوض.
إنسانياً: مأساة لجوء جديدة طالت أكثر من 300 ألف فلسطيني، تجرعوا مرارة الشتات للمرة الثانية بعد نكبة 1948.
الشرخ الأعمق الذي أحدثته النكسة لم يكن في البر والجو، بل كان في الوجدان العام، لقد عاش الشارع العربي قبل الحرب حالة من التعبئة الإعلامية والشحن الحماسي الذي صوّر النصر قاب قوسين أو أدنى.
وعندما وقعت الواقعة، لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت صدمة وعي قاسية تداعى على أثرها ما سمي بـ "مرحلة المد القومي" بشكلها القديم.
رغم عمق الجرح، لم يطل الانكسار؛ إذ سرعان ما تحولت الهزيمة إلى وقود للمواجهة، فجاءت قمة الخرطوم في أغسطس 1967 لتصيغ الموقف العربي بـ "اللاءات الثلاث": (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل قبل انسحابها)، معلنةً رفضاً جماعياً لفرض شروط الاستسلام.
وفي ذات الوقت، كانت هذه النكسة بمثابة الإعلان الحقيقي لولادة المقاومة الفلسطينية المستقلة، بعد أن أدرك الفلسطينيون أن الاعتماد الكامل على الجيوش النظامية قد لا يكفي، صعدت فصائل العمل الفدائي لتأخذ زمام المبادرة وتفرض القضية الفلسطينية كمعادلة رقمية صعبة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية إقليمية.
إن القيمة الحقيقية لقراءة التاريخ لا تكمن في البكاء على الأطلال، بل في فهم كيف تولد القوة من رحم الضعف.
إن جيل أكتوبر 1973 لم يكن لينتصر لولا الركام الذي سار عليه في يونيو 1967.
من "معركة رأس العش" وحرب الاستنزاف الشرسة، إلى بناء حائط الصواريخ المعقد، كانت النكسة هادياً عسكرياً كشف للقيادة العربية عيوبها فداوتها، وعرفتها بنقاط قوة عدوها فحيّدتها.
تأتي ذكرى النكسة اليوم والمنطقة لا تزال تمر بمخاضات عاصفة وتحولات جيو-سياسية كبرى تعيد تذكيرنا بذات القواعد الثابتة: إن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ، وإن امتلاك ناصية العلم، والواقعية السياسية، والتخطيط الإستراتيجي القائم على الندية لا المساومة، هو السبيل الوحيد لحماية المستقبل والوقوف في وجه الأطماع الإقليمية، النكسة كانت كبوة جواد، لكنها علمت الأمة كيف تجيد الركض في ميادين التاريخ الشرسة.
