-"إن دور الكاتب لا يخلو من المهام الصعبة.ولا يستطيع أن يضع نفسه اليوم في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ،فهو في خدمة أولئك الذين يعانون من التاريخ." (ألبير كامو )
–أنكتبُ لأنفسنا أم للآخرين؟ أندافعُ بكتاباتنا عن بؤسِ العالم وبؤس الوطن أم أنَّ الأمر برمته لا يعدو كونه تسريبات لمعركة النفس الداخلية؟ (الكاتب)
قبل أن أصل إلى ذلك السؤال الذي يجرح الروح قبل اللسان،أرى نفسي متوشّحا بصمت أبيض سافر.لا ألوان فيه،لا ظلال،سوى فراغ يلتهم كل شيء: الحروف،الأصوات،وحتى نبضات الوجود التي كانت يوما تعمرني.
الكتابة،في أعماقها،ليست سطرا يتراقص على ورق،ولا ضوءا يصطدم بشاشة باردة.الكتابة هي القلب الثاني الذي ينبض خارج الصدر.هي العضلة التي تجري خلف الزمن المتعجل،كي تصطاد تفاصيله الرقيقة قبل أن تموت غرقا في بحر النسيان.إنها النافذة السريّة التي تطل منها الذات على ذاتها،والجسر المعلّق بين العابر والعميق،بين الصدى والصمت.
وها أنا ذا أجرؤ على سؤال يولد مذعورا،ويركض خجولا قبل أن يرى النور: ماذا لو جفت الينابيع؟ ماذا لو توقفتُ عن الكتابة؟!
وليس المقصود تلك الكتابة الصاخبة،التي تجلس على عرش الموافقات والانتقادات العابرة،تلك التي تركض وراء الإعجاب كما يركض الظل خلف الشمس.بل الكتابة الصامتة،الحميمة،تلك التي ننقشها على جدران أرواحنا بدمٍ هادئ،بلا شهود، بلا جمهور.
الكتابة التي تشبه شهيق الغواص في الأعماق: لا يراه أحد لكنه يمنع الماء من أن يكون قبرا.لأن التوقف عن الكتابة ليس عجزا عارضا ولا كسلا مترفا.إنه انقطاع عن الجوهر قبل أن ينقطع عن الشكل.وعندما تخرس الأصابع،تبدأ الأشياء في نسيان أسمائها.وتصبح القراءة مستحيلة ليس لأن العين عميت،بل لأن المعنى غادر بيته.
يبهت الخيط السري الذي يصلنا بالحياة،نتحول إلى أجهزة لا تسجّل إلا الصدى،إلى مرايا أرهقها الصدأ.
وأدهى من ذلك: أن نفقد القدرة على ترتيب أنفاسنا الفكرية،فنصبح كمن يحاول الإمساك بالدخان.فالأفكار تذوب كحبات برد على لسان حارق،تهاجر كطيور لا تعرف طريق العودة.لأن الكتابة ليست فعل نفعله،الكتابة هي كينونة خفية: أن تكون كاتبا يعني أن تتنفس معنى،أن تعيش مرتين.
تأمل هذا المشهد ببطء: تخيل أن تحاول عصر الماء من قبضة يدك.كلما ازداد إحكامك،ازداد هروبا.هكذا الحياة دون كتابة: هلامية،سائلة لا تعرف حدودها.فالكتابة هي الإطار الذي يمنح الفوضى شكلا،للألم اسما،للحلم جسارة.وحين نكتب،لا نحفظ الذكريات من الموت فقط،بل نخلق فضاء ثالثا بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث. إنها معمل سري نفكك فيه تجاربنا،نعيد تركيبها، نتفاوض مع جروحنا،نضحك على هزائمنا الصغيرة.
والكاتب الحقيقي لا يكتب ليُعلن رأيا،بل ليكتشف ما كان سيضيع إلى الأبد لولا الحبر.لذا،حين أسأل: "ماذا لو توقفت؟!"، ففي الحقيقة أسأل: "ماذا لو فقدت قدرتي على أن أشهد على حياتي؟!". لأن الحياة دون كتابة ليست حياة،إنها تمرين طويل على الموت البطيء.
وهكذا أعود إلى تلك الهاوية البيضاء،لكنني اليوم لا أقف على شفيرها مرتجفا،فقد أدركتُ أن الكتابة هي ما يمنح الهاوية شكلا ومعنى،هي الجسر الذي لا يعبر بي إلى الضفة الأخرى،بل يعبر بي إلى عمق الهاوية نفسها لكي أعلن أن المشي على حبل رفيع من كلمات يمكن أن يكون بيتا.فالهاوية لا تبتلعني لأن أنفاسي صارت حروفا،والحروف لا تسقط.
ربما هذا هو السر الأعمق: أن نكتب كي لا نتحول نحن إلى هاوية.أن نكتب لأن الصمت الطويل قد يكون أقسى من أي انهيار،ولأن في الكتابة شبها بالمعجزة: أن تبني بيتك على ظهر المجهول، وتُضيء نافذة حيث لا جدران هناك.عندها فقط، تصير الكلمات جلدا للروح،وعضلة لا تموت.
وهكذا،حين يسألني السؤال مجددا: "ماذا لو توقفت؟!"،أبتسم في وجه الهاوية.لأنني أعرف الآن: أن لا أكتب يعني أن أموت مرات كثيرة قبل أن يُكتب لي الموت مرة واحدة.أمّا أن أكتب..فأنا لا أهرب من الفراغ،بل أُعلِّمه كيف ينبض.!
الكتابة ليست هروبا من الصمت،بل هي الصمت الذي تعلّم الكلام.فإذا جفت الينابيع يوما،فسأكتب بعروقي.وإذا توقفتُ عن الكتابة،فلأنني تحوّلتُ كتابة..فالكتابة،إذا تأملناها بعين الروح،ليست حيلة ضد النسيان،بل هي إصرار على أن يكون للوجود طعم مختلف.هي أن تقول للهاوية: "ها أنا أعبرك حرفا حرفا". وكلّ كلمة نكتبها ليست هروبا من الصمت،بل هي الصمت ذاته يلد موسيقاه الخاصة. فإذا توقّفنا يوما،فلأننا صرنا كتابة لا تُقرأ إلا بغيابنا.وما أجمل أن نختم بسرّ صغير: نحن لا نكتب لنُذكَر،بل لِنُثبت للماء أن النار يمكنها أن تطفو فوقه دون أن تموت.وهكذا،حين يسألك السؤال مجددا: "ماذا لو توقفت؟!"..
أجب بابتسامة هادئة: "حينها فقط ستبدأ كتابتي الحقيقية"!.
وهكذا،أيها القارئ الصامت،حين تخلو الأصابع من الحبر،وحين يهجر المعنى بيته الأخير،تذكّر: أن لا تكتب هو أن تموت ألف مرة قبل أن يحين وقت الموت الحقيقي.لكن الأجمل من الكتابة،أن تصير أنت نفسك كتابة تمشي على الأرض،لا تقرأ بالعين، بل بالروح.فعندها فقط،تصبح الهاوية التي كنت تخشاها..وطنا..!
