اعادة الاعمار في غزة تقف أمام شروط أمنية إسرائيلية معقدة ومركبة
تاريخ النشر : 2026-05-24 16:05

اللجنة الوطنية التي بشروا بها  ظلت حبيسة الانتظار،رفعت سقف التوقعات ثم سقطت في فخ الفيتو الإسرائيلي ،هي لم تعد إلى القطاع ولم تمارس صلاحية واحدة رغم كل ما لف حولها من غطاء دولي ،السبب الأول والأخير هو أن إسرائيل لم تلتزم بالمرحلة الأولى من الاتفاق ولم ترفع يدها الأمنية عن القطاع،إسرائيل تتعامل مع غزة باعتبارها أرضا محتلة تديرها مباشرة تحت مرأى العالم.

هذا العجز حوّل اللجنة إلى كيان سياسي 
غيابها صار صمتا مريبا وصمتها صار موقفا
لم تصدر عنها كلمة واضحة تجاه المخطط المرسوم للقطاع،هي مجرد جهاز استقبال لتوجيهات مجلس السلام الدولي ومديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف وملادينوف يفاوض حماس ونتنياهو في آن واحد ويتبنى رواية تلقي بالتعطيل على المقاومة يعجز عن تسمية المحتل الصهيوني ويعجز عن مقاربة الوقائع بموضوعية.

اللجنة أسيرة بالكامل للإرادة الإسرائيلية ولمقررات مجلس السلام المشرف على الخطة الدولية، لم تصدر عنها حتى اللحظة إدانة واحدة لتعطيل الاتفاق، لم توجه سهامها نحو احتلال يخطط للإبقاء على سيطرته العسكرية والأمنية على ستين في المئة من مساحة القطاع
الاحتلال يعمل واللجنة تتابع بصمت .

في غضون ذلك تتواصل حرب الإبادة الممتدة منذ أكثر من عامين ونصف، استشهد قرابة ألف فلسطيني في الفترة الأخيرة وحدها بينهم ستة وأربعون شرطيا جرى اصطيادهم،إسرائيل تستهدف الشرطة الفلسطينية عمود السلم الأهلي ضمن استراتيجية إغراق القطاع في الفوضى
والاغتيالات الممنهجة لقادة الفصائل لم تتوقف
معبر رفح يخضع لقيود خانقة وحركة السفر مرهونة بالمزاج الأمني للاحتلال،عدد شاحنات المساعدات يتحكم فيه جلاد يريد إذلال أهل غزة قبل قتلهم، الناس هناك يفتشون عن الماء لا عن الحياة في مشهد صباحي يفطر القلوب.

الأوامر العسكرية بالإخلاء تتساقط كالسكين على جسد القطاع،الأسبوع الماضي أصدر جيش الاحتلال أوامر بإخلاء منازل وعيادة طبية في مخيم المغازي ثم دك المنطقة، الإنذارات امتدت كالنار في الهشيم إلى البريج والنصيرات ودير البلح ومواصي خان يونس،الغارات لا تفرق بين حي سكني ومرفق مدني فالعدو يريد تدمير البنية الاجتماعية كلها، هذه الهجمات تولد رعبا متصاعدا لأنها تأتي على وقع خطاب إسرائيلي متصاعد عن العودة إلى الحرب الشاملة
التصعيد العسكري يستخدم أداة ضغط على المقاومة لتقديم تنازلات  في ملف نزع السلاح.

الاتفاق ينص على أن تتولى اللجنة الوطنية إدارة الحياة اليومية مدنيا وأمنيا تحت إشراف مجلس السلام الذي ولد من رحم خطة النقاط العشرين
الواقع يقول إن اللجنة ليست صاحبة القرار بل ذراع تنفيذية داخل سقف سياسي وأمني رسمته  القوى الدولية الراعية للخطة، والأخطر من ذلك أن ملف إعادة الإعمار جرى اختطافه بالكامل
لم يعد الإعمار استجابة إنسانية لكارثة غير مسبوقة.
صار أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية في غزة،يتحدثون عن أكثر من سبعين مليار دولار لإعادة الإعمار، هذه الأموال الطائلة يتعاملون معها كمدخل لبناء نظام حكم جديد يضعف فصائل المقاومة ويعيد هندسة المجتمع الفلسطيني برمته 
وهنا يكمن مربط الفرس ومربط الخطر،إعادة الإعمار لم تعد مرتبطة بإزالة الركام وبناء المستشفيات والبيوت، الإعمار صار مشروعا سياسيا وأمنيا متكاملا يستهدف إنتاج غزة جديدة تتكيف مع متطلبات الأمن الإسرائيلي ورؤية الاستقرار الإقليمي التي تتبناها واشنطن وبعض العواصم العربية المطبعة،هذا التوجه ظاهر بجلاء في الأوراق البحثية الإسرائيلية والغربية.

في ورقة صادرة عن معهد ميتفيم تدعو الباحثة نوعا شوسترمان دفير إلى استخدام إعادة الإعمار كأداة لإضعاف مراكز قوة المقاومة   و خلق استتباع اقتصادي ودبلوماسي للسكان تجاه الغرب ودول الخليج، وتحويل القطاع من جيب مقاومة إلى كيان سياسي مندمج في منظومة الاستقرار الإقليمي المزعومة.
تقترح نموذج جزر إعادة إعمار حيث تخضع مناطق كرفح لحكم كامل وإعادة إعمار مكثفة لتكون نموذجا يخلق ضغوطا شعبية على بقية المناطق،تطالب برقمنة المجتمع الفلسطيني عبر أنظمة هوية بيومترية وربط المساعدات بالرقابة التقنية المباشرة،تربط الإعمار بمسار نزع السلاح ودمج المقاتلين السابقين ضمن ترتيبات مدنية وأمنية جديدة تحت سيطرة أجنبية،تنادي بإنشاء بنك دولي لإعادة إعمار غزة يخضع لإشراف خارجي كامل ورِقابة صارمة على الأموال ومواد البناء.

هذه التصورات لا تنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم شعبا تعرض للإبادة والتدمير
تنظر إليهم كمشكلة أمنية شائكة يجب إعادة صياغتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا
إعادة الإعمار وفق هذه الرؤية امتداد للحرب بوسائل أنعم وأخبث،ليست مرحلة ما بعد الحرب بل هي الحرب نفسها بوجه آخر.

النجاح المزعوم للجنة الوطنية في تنفيذ هذه الرؤية سيخلق أزمة عميقة في النظام السياسي الفلسطيني، سلطة رام الله تجد نفسها في فخ استراتيجي قاتل، نجاح اللجنة يعني تكريس تهميش السلطة تماما وفشلها سيغلق الباب نهائيا أمام أي عودة لها إلى غزة، أما إسرائيل فمعنية بإبقاء غزة في حالة إعمار مشروط دائم
تريد تحويل المساعدات والمعابر والكهرباء والمواد الخام إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني مستمرة.
وهذا يعني أن إعادة الإعمار لن تكون عملية سيادية فلسطينية مستقلة بل نظام تحكم طويل الأمد يدار عبر التمويل والرقابة الأمنية والاشتراطات السياسية المهينة، المعركة في غزة لم تعد تدور فقط حول وقف الحرب، المعركة تدور حول شكل اليوم التالي ومن يحكم غزة وكيف ستبنى ولصالح أي مشروع سياسي
أخطر ما في هذه المرحلة أن إعادة الإعمار تطرح باعتبارها مشروع سلام سياسي بينما تستخدم فعليا كأداة لإعادة تشكيل الفلسطينيين أنفسهم تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية الكاملة.