"فلسطينياذا": فكرةُ الوجود حجر المعنى
تاريخ النشر : 2026-05-24 14:36

حين يتكرَّر التوحُّش، وتتعدَّد المجازر بوصفها مواقيتَ للذاكرة، لا وقائعَ منتهية، تنزاح الكلمة لدى الشاعر الحقيقي من الحيِّز اللغوي إلى فضاءِ الدم، ليفتح أفقًا دلاليًّا يغدو فيه الجسد نصًّا حيًّا، والتاريخ جغرافيةً متحرِّكة، والذاكرة أرشيفَ رؤيةٍ لا تتوقَّف عن إعادة إنتاج ذاتها. ليدور الصراع حول المعنى والشرعية؛ أي معنى الأحقية، في الأرض، والتاريخ، والسرد، وشرعية الحضور، والغياب، والوجود.

من هذا الأفق الفسيح، أطلق الشاعر الفلسطيني عليّ العامري ملحمته "فلسطينياذا" (الدار الأهلية للنشر والتوزيع – عمّان 2023) لتشكّل جدلية المكان بوصفه كيانًا لغويًّا ينبض بالحياة والقدرة، بقدر ما هو فضاءٌ جغرافيٌّ يحاكي التاريخ في ملاحمه الكبرى، كما "الإلياذة" التي تُستعاد هنا في سياقٍ شبيهٍ من حيث البنية، ومختلفٍ من حيث المصير، ليشتقَّ الشاعر عنوانه اللافت من اجتراح الملحمة اليونانية بروحٍ فلسطينية، صاغ بها مصوغات حكم التاريخ، ليستنطقه في وجه عدوِّه: "أنتَ لستَ وريثَ المعنى... أنتَ وريثُ الوهم".

العامري، الذي يعرف "أنَّ المنفى جرحُ المعنى"، لم يكتفِ بالتحليق في فضاءِ الإحالة المستدعاة، وإنَّما خلق إحالته الخاصة، التي تتكئ على خندق الواقع المسيَّج بحكايات الآباء والأمهات والأجداد، ليواجه التاريخ ومستعمِرَه معًا بمرارة الحقيقة، وبالفأس والمنجل ورائحة القهوة. ليس فقط لأنَّه أنتج بنيةً زمنيةً وجغرافيةً لحكاية فلسطين الوطن والأم، ولكن لأنَّ أمَّه قالت له: "دعْ حدسَكَ في القلبِ يرى. هذا العالمُ أعمى".

ولأنَّ أرسطو أول من اعتبر "الملحمة" النموذج الأسمى للشعر السردي، بوصفها محاكاةً لأفعال نبيلة في قالب حكائيٍّ ممتدّ، ومفارقًا بينها وبين "المأساة"، يتحرَّر اقتراح العامري في "فلسطينياذا" من قيود الشعر الصرف، ليقارب فعل التسريد بدون أن يستقرّ فيه، ويفتح نصًّا تتقاطع فيه علاقة التاريخ باللغة، والهوية بالتجربة، على نحو يعيد ترتيب الأسئلة لتصبح أكثر التصاقًا بالواقع، وأشدّ قدرةً على كشف تناقضاته.

بهذا المعنى، لا يتقدّم النص بوصفه بحثًا عن إجابات شافية، وإنّما كاشتغال يُبقي الدلالة في حالة تشكّلٍ دائم، حيث تنكشف التجربة في حدّها الأقصى لحظة قوله: "دمُنا صارَ مدوَّنةً للتهجيرِ وللتطهيرِ العرقيّ".

هنا، حيث يتقدّم الخطاب بوصفه مقولةً واعيةً بشروط السياق السردي ومتطلباته، تتشكّل أداة التقارب الأكثر وضوحًا مع الوطن والأرض والإنسان في مخيال فلسطينيّي الشتات، كخيالٍ جامح أو "خيال بلا عينين"، ممّا يقلّل من وحشة الغياب، ويجعله جزءًا من دورة الطبيعة والحكاية المستمرّة في "غرفٍ بيضاء على جبل"، بما يعزّز فكرة الحضور بشيءٍ من طاقة الطهر والشموخ، المتمثّلين في استدعاء عناصر كالبياض والجبل، فيما الغرفُ غرفٌ للذاكرة التي بقيت عصيّةً على النسيان، وإن سكن ساكنُها "برج القيامة" إلى جوار "نجومٍ زرقاء تضيء الماضي". ومقاربةُ اللون الأزرق بالنجوم للإضاءة توحي بصفاءِ الذكرى وقدسيَّتها.

لعلّ هذا التكوين اللغوي هو ما منح الجماليات الفنية والرموز السريالية في هذا النص الملحمي طاقتها الخلّاقة، فدفع بالصورة إلى تخومٍ غير مألوفة، ونقل الذات من موقع التلقّي إلى موقع الفعل والتشكيل. فهي التي أتاحت للشهيد أن "يفتح دفترًا في الأرض حتى نقرأ… سيرةَ المعنى"، بما يقول إنّ الموت لم يعد انقطاعًا، بقدر ما بات تحوّلًا في وظيفة الحضور.

وعلى امتداد هذا الاشتغال، جعلت "عين الباب الخشبي" قادرةً على البكاء، في لحظة أنسنةٍ حوّلت الجماد إلى شاهدٍ باكٍ يتسرّب منه الحزن إلى الأشياء.

وفي انكشافٍ بصريّ يجعل اللغة مادةً تُرى، يظهر "حجرٌ يتحمَّم بالضوء وقت الظهيرة"، ولوحة سيميائية تتجلَّى فيها "صخرةٌ تتنفَّس بين التلال"، وفي خلفية صورة أخرى "حديقةٌ تلوِّح بقميصها للّوز في آذار".

هذه الصور تعمل كوحدات مكثَّفة، ولكنّها مكتفية بذاتها، وتُبنى غالبًا على مفارقة داخلية تجمع بين الحياة والموت، والضوء والدم، واللعب والفقد، في تداخل يعمّق الإحساس بأنّ المكان ليس مجرّد خلفية، بقدر ما يشكّل كائنًا حيًّا متعدّد الطبقات.

وهو ما نلاحظه جليًّا في محاولات العامري الاستجابة التلقائية لسؤال الهوية، عبر طبقة شديدة الكثافة، دفعته لاستحضار هذا الكمّ الهائل من جغرافيا فلسطين، وكأنّ الشاعر لا يذكر الأماكن بقدر ما يستنطقها، لتغدو الأرض ذاكرة تتكلَّم، وتتحوّل الأسماء إلى أرواحٍ تحمل حكاياتها. ويتجلَّى ذلك بوضوح في استدعاء "أرض الدحنون"، حيث يقول:

في أرضِ الدحنون حكاياتٌ ترويها القببُ الذهبيةُ والأجراس

... ترويها الأسماءُ البرية، والجوية، والمائية، والجبلية، والسهلية...

حكاياتٌ يتسلَّمها الحاضر عبر بريد الماضي...

ويرفعنا علامةَ نصرٍ في القدس العاصمة الأبدية للمعنى.

ما المعنى؟

هذا المحتلُّ سيسقط في المحو يجرجر عتمتَهُ المنقوعة بالعار الأعمى

ما المعنى؟

سوف يعود الضوء إلى أرض الضوء وإن طال كسوفُ المبنى.

في هذا المقطع، تستعيد الأرض قدرتها على إنتاج المعنى من داخلها، حيث تتحوَّل الجغرافيا إلى طاقة القول، فيتقدَّم الضوء بوصفه وعدًا متجدِّدًا يتصل بالأرض اتصالًا عضويًّا، لا بوصفه صورةً عابرة، إذ لا تشير الأسماء هنا إلى مكانٍ بقدر ما تفتح زمنه، وتعيد إدخاله في الحاضر بوصفه فعلًا مستمرًّا.

هكذا، تفتح الأسماء زمن المكان في "فلسطينياذا"، إذ تتحوَّل التسميات إلى أفعالٍ لغوية يتداخل فيها الماضي بالمضارع، ليتوالى استدعاء المدن والقرى في نسيجٍ متدفِّق، لا بوصفها تعدادًا عابرًا، وإنَّما كاستعادةٍ حيَّة لخرائط تنبض داخل الذاكرة، وتُعاد كتابتها في اللغة. ويتجلَّى ذلك بوضوح في هذا المقطع الكثيف:

"هنا القدسُ، مرجُ ابنِ عامرٍ، السنديانةُ، ديرُ الهوا،

بيتُ لحمٍ هنا، عيلبونُ، الخليلُ، الجليلُ وبيسانُ،

نابلسُ، غزَّةُ، حطّينُ، عكّا..."

بهذا الامتداد، تأخذ الأسماء موقعها داخل الجملة النصية كقوى دافعة للمعنى، حيث يحمل كلّ اسمٍ أثره، وصوته، وطبقته الزمنية، ليدخلها جميعًا في لحظة القول بوصفها حالة مواجهة. فلا تبقى المدينة مجرّد موقعٍ جغرافي، وإنّما تغدو حكاية مضغوطة في لفظها، ويصير النداء عليها شكلًا من أشكال إعادة امتلاكها.

ومع استمرار هذا التدفّق، تتّسع الخريطة داخل النص، وتتشكّل بوصفها فضاء حيًّا تتجاور فيه الأزمنة، وتتعالق فيه التفاصيل مع الامتداد الكلّي للأرض، كما في قوله:

"هنا طبريا، وعمواسُ، سيرينُ، زبعةُ، حلحولُ، يافا...

وهنا عسقلانُ، وحيفا...

طولكرمُ هنا، عقربا... والناصرةُ...".

ويعمل تكرار مفردة "هنا" كنقطة تثبيت للوجود داخل اللغة، لتُستعاد الأرض بوصفها حاضرًا يُنطق، لا غيابًا يُستدعى. ذلك لأنّ تكاثر الأمكنة داخل النص يُعدّ إحدى أهم أدوات بناء الصور المركّبة، التي تتجاوز حدود الفضاء الجغرافي إلى أفق أوسع من المعنى، حيث يغدو التعداد نفسه حركةَ مقاومة، تستعيد عبرها اللغة ما سعى المستعمِر إلى محوه من المعنى.

المكان وهويته بين الادّعاء والانتماء

إنَّ حالة التعالق ما بين المكان ومسمَّياته الأصلية، لم تأتِ فقط لإعادة تثبيته عبر تسميته، بقدر ما أتت لتنقل الصراع من مستوى المعنى في صياغته الصريحة، إلى منطق الخطاب الفاعل، لمواجهة ادّعاءات الملكية، في سياق اشتغال الفعل اللغوي على تفكيك رواية الآخر النقيض، عبر نزع ادّعاء الانتساب، وإعادة توزيع معناه داخل النص نفسه، على أصحاب الأرض الأصلانيين. ويتجلَّى ذلك في المقطع الكثيف الذي يكرِّس هذا الاشتغال:

"لا الأرْضُ أرْضُكَ

يا نقيضي في الوجودِ،

ولا ظلالَ لديكَ تحتَ السِّنديانْ.

لا البحرُ بحرُكَ، لا البراري والخيولُ، ولا مفاتيحُ البيوتْ...".

ومع اتّساع رقعة الاشتباك ليشمل كل عناصر الملكية من بحر، وحقل، وظلال، وأصوات، لا يكتفي النص بإبعاد الآخر عن المكان، وإنّما بدفعه خارج شبكة المعنى نفسها، حيث تتكشّف الهوية بوصفها انقطاعًا لا اتصالًا، كما في قوله:

"لا جدَّ لأمِّكَ في أرضِ فلسطينَ،

ولا جدَّ لجدِّكَ...

أنتَ المحتلُّ وريثُ المحتلِّ...

وأنتَ وريثُ عَدَمْ".

في هذا المستوى، تبلغ اللغة ذروتها في الحسم، حيث تتحوّل من أداة توصيف إلى أداة تقرير، تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض والذاكرة. فالأرض، بما تحمله من تفاصيل الحياة ـ "كنافة نابلس"، "رائحة القهوة"، "الثوب المرقوم"، "الدبكة" ـ تتقدّم بوصفها نسيجًا متكاملًا من المعنى، لا يمكن فصله أو توريثه خارج شروط عقده الاجتماعي والتاريخي والحضاري.

هكذا، يتشكّل هذا المقطع بوصفه ذروةً في اشتغال النص على سؤال الشرعية، ليصبح الحضور فعل تعريف مستمرًّا لما ينتمي وما لا ينتمي، فيغدو الصراع في جوهره صراعًا على المعنى ذاته: من يملك أن يُسمّي، ومن يملك أن يكون جزءًا ممّا يُسمّى.

في المحصلة، تبدو "فلسطينياذا" ملحمةً اشتغل فيها الشاعر على بناء فلسطين داخل المخيال الشعري، قبل أن يدفع بها إلى قلب اللغة ذاتها؛ ولذلك، اهتمَّ العامري بتحويل الأرض إلى بنيةٍ سردية حيّة، تتكلَّم عبر الأسماء، والقرى، والأمهات، والبيوت، والأشجار، والأشياء الصغيرة التي نجت من المحو.

ما يعني أنّ دور المكان لم ينحصر في وصفه خلفيةً للأحداث، وإنّما تجلَّى ككائنٍ مركزيٍّ قادرٍ على التنفّس، والحزن، والمقاومة؛ الأمر الذي يقدِّم هذه الملحمة باعتبارها كتابةً تستعيد الإنسان الفلسطيني في علاقته بالعالم، لا باعتباره لاجئًا عابرًا في التاريخ والعالم، ببساطة، لأنّه صاحب المعنى الأول والأخير في الحكاية كلِّها.

ولعلّ ما يمنح "فلسطينياذا" هذا الأثر العميق، أنّها لم تنشغل بإنتاج بطولةٍ مجرّدة، بقدر ما انشغلت بإعادة تقديم أنماط الحياة نفسها تحت وطأة الفقد والاقتلاع والموت. لذلك، يظلّ الأمل في النص متداخلًا مع الجرح، وتبقى الأرض أكثر من مجرّد وطن، إذ تغدو شرطًا للوجود الإنساني ومعناه. وهو ما عبّر عنه العامري قائلًا:

"قد نَحُلُّ ضيوفًا هناكَ

ولكنَّنا

لن نكونَ ضيوفًا هنا".

إنَّ الشاعر هنا لم يكتب جملةً شعريةً عابرة، وإنَّما وضع خلاصة المشروع كلِّه في مواجهة التاريخ؛ ليؤكِّد أنَّ الإنسان يمكن أن يُقتلع، ويُحاصَر، ويُنفى، ولكنَّ اقتلاعه من المعنى يظلُّ أكثر استحالةً من اقتلاعه من المكان. ولهذا غدت فكرةُ الوجود نفسها حجرًا للمعنى في نصٍّ انشغل بإعادة تسمية العالم، كي تنتصر الذاكرة، ويُهزم النسيان، في ملحمة "فلسطينياذا".