بيروت: كشف تقدير موقف صادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن تحوّل متسارع في طبيعة منظمة شنغهاي للتعاون، من إطار تعاون سياسي واقتصادي وأمني مرن، إلى تكتل ذي نزعة دفاعية وعسكرية متنامية، مع تداعيات مباشرة ومتوقعة على توازنات الشرق الأوسط وقضية فلسطين خلال السنوات المقبلة.
ويرى التقدير، الذي أعدّه خبير الدراسات المستقبلية أ. د. وليد عبد الحي، أن المنظمة التي تضم اليوم عشر دول كبرى بينها الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان، باتت تتحرك تدريجياً نحو بناء فضاء استراتيجي أوراسي يوازن النفوذ الغربي، ويحدّ من الهيمنة الأمريكية، خصوصاً مع تصاعد التوترات الدولية والحروب المرتبطة بالشرق الأوسط وأوكرانيا والطاقة العالمية.
وتوضح الدراسة أن البعد الأمني كان حاضراً منذ اللحظات الأولى لتأسيس المنظمة، حتى قبل إعلانها رسمياً سنة 2001، من خلال اتفاقيات الثقة العسكرية وضبط القوات الحدودية بين الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى. ومع مرور الوقت، تطور هذا المسار عبر إنشاء "الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب" وتوسيع التنسيق الأمني والعسكري بين الأعضاء، وصولاً إلى تنامي المناورات المشتركة والتفاهمات الدفاعية.
ويؤكد الباحث أن السنوات الأخيرة شهدت انتقالاً واضحاً من "التنسيق الأمني" إلى "النزوع العسكري"، خاصة بعد توقيع اتفاقات التعاون مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتصاعد التدريبات العسكرية المشتركة، وتنامي التنسيق الروسي الصيني الإيراني، بما في ذلك المناورات البحرية وصفقات التسليح والتعاون النووي.
وتربط الدراسة هذا التحول بتزايد التنافس بين المعسكر الأوراسي الذي تقوده الصين وروسيا، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلف حلف شمال الأطلسي، مشيراً إلى أن الكثير من الأدبيات الغربية باتت تنظر إلى منظمة شنغهاي باعتبارها "المعادِل الأمني للناتو" في الفضاء الأوراسي.
وفي هذا السياق، يلفت الباحث الانتباه إلى أن المنظمة رفضت سابقاً منح الولايات المتحدة صفة مراقب، كما طالبت بإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية في آسيا الوسطى، في إشارة مباشرة إلى الوجود الأمريكي بعد حرب أفغانستان.
ويخلص التقدير إلى أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ملف ثانوي في حسابات المنظمة، بل يتحول تدريجياً إلى "امتداد استراتيجي" لها، خصوصاً بعد انضمام إيران عضواً كاملاً، ومنح عدد من الدول العربية، بينها السعودية والإمارات وقطر ومصر والكويت والبحرين، صفة "شريك حوار".
ويرى د. وليد عبد الحي أن الموقع الحيوي للمنطقة في معادلات الطاقة العالمية، إلى جانب أزمات البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، جعل أمن الشرق الأوسط جزءاً من الأمن الاستراتيجي لدول المنظمة، لا سيما الصين والهند وروسيا.
وتبرز الورقة التقديرية تصاعد حضور الشرق الأوسط في الخطاب الأمني للمنظمة، من خلال الدعوات الصينية لتعزيز التعاون الدفاعي لمواجهة "عدم الاستقرار" في المنطقة، إضافة إلى استضافة إيران لأول تدريبات عسكرية مرتبطة بالمنظمة على أراضيها، بمشاركة قوات من روسيا والصين والهند ودول أخرى، وحضور مراقبين عرب.
وتشير الورقة إلى أن بيانات المنظمة خلال المواجهات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية في عامَي 2025 و2026 اتخذت مواقف حادة ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة، ووصفت الهجمات بأنها انتهاك للقانون الدولي وتهديد للأمن الإقليمي والدولي، في مؤشر على تزايد الانخراط السياسي والأمني للمنظمة في قضايا المنطقة. كما تؤكد أن تنامي الدور الأمني والسياسي للمنظمة قد يحمل انعكاسات إيجابية على القضية الفلسطينية، من خلال تعزيز الدعم الدولي للمطالب الفلسطينية، وتقييد هامش الهيمنة الغربية، وخلق بيئة دولية أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. وتشير إلى أن المنظمة تتبنى في بياناتها الرسمية موقفاً داعماً لحل الدولتين، وتربط بين استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وبين اضطراب الأمن الإقليمي وتصاعد التطرف وأزمات الطاقة، وهو ما يضعها في موقع متعارض مع توجهات الحكومات الإسرائيلية اليمينية.
وفي المقابل، يرى التقدير أن فرص انخراط "إسرائيل" في المنظمة تبقى محدودة للغاية، سواء كعضو أو مراقب أو حتى شريك حوار، بسبب التناقض البنيوي بين توجهاتها الغربية وبين البيئة السياسية والأمنية التي تحكم منظمة شنغهاي، فضلاً عن معارضة إيران وبعض الدول الأعضاء لأي حضور إسرائيلي داخل المنظمة.
ورغم هذا التوسع المتسارع، يحذر الباحث من وجود تحديات داخلية قد تعيق تطور المنظمة، أبرزها التنافس الروسي الصيني على النفوذ في آسيا الوسطى، والتباينات بين الهند وباكستان، والتقارب الهندي الإسرائيلي، إضافة إلى استمرار النفوذ الأمريكي القوي في المنطقة. كما يشير إلى أن بعض الدول الخليجية ما تزال تتعامل بحذر مع التوجهات الأمنية للمنظمة، خشية تأثير ذلك على علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يتوقع التقدير أن يتواصل توسع المنظمة خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، بالتوازي مع تنامي مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة والتعاون المالي خارج المنظومة الغربية، مثل مبادرة "الحزام والطريق"، ومشروعات الممرات التجارية الجديدة، والتوسع في استخدام العملات المحلية بعيداً عن الدولار.
ويخلص التقدير إلى أن العالم قد يكون أمام تشكل فضاء أوراسي جديد ذي طابع أمني واستراتيجي متصاعد، ستكون له انعكاسات متزايدة على مستقبل الشرق الأوسط، وعلى توازنات الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى موقع القوى الإقليمية في النظام الدولي المقبل.
"الزيتونة": منظمة شنغهاي تتحول إلى "تكتل دفاعي" يهدد الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط
تاريخ النشر : 2026-05-18 15:06
