يوم الأرض الفلسطيني: صمود فوق الأرض وصراع القوى تحت سماء ملبدة بالحروب
تاريخ النشر : 2026-03-30 16:01

في لحظةٍ تتكثف فيها التحولات الكبرى، لا يبدو يوم الأرض الفلسطيني هذا العام مجرد محطة لإحياء الذكرى، بل مرآة حادة تعكس واقعًا أكثر اضطرابًا وتعقيدًا من أي وقت مضى. فبين حربٍ مفتوحة الملامح بين إيران وإسرائيل، وتصعيدٍ غير مسبوق في القدس بلغ حد إغلاق المسجد الأقصى، تتقدم على الأرض سياسات الضم والاستيطان بخطى ثابتة، كأنها تستثمر في فوضى اللحظة لتكريس واقع جديد.

هنا، لا تعود الأحداث منفصلة، بل تتشابك في مشهد واحد؛ الأرض تُصادر، والمقدسات تُحاصر، والإقليم يشتعل. وبين هذه الدوائر المتداخلة، يقف الفلسطيني أمام سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: كيف يُحافظ على حقه في أرضٍ تتآكل، في زمنٍ يعاد فيه رسم الخرائط بالقوة؟

 

لم يعد الاستيطان مجرد توسع عمراني عشوائي، بل تحول إلى خطة ضم زاحف وممنهجة. تستغل القوى الاستيطانية انشغال العالم بالحروب الإقليمية لتسريع وتيرة مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وإعلان مساحات شاسعة كـ "أراضي دولة". 

هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط لسرقة التراب، بل لعزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة وسط محيط من المستوطنات، مما يجعل من حلم الدولة المتصلة أمراً مستحيلاً من الناحية الجغرافية.

يتزامن يوم الأرض هذا العام مع واقع مرير في مدينة القدس؛ حيث تحول المسجد الأقصى إلى ساحة للتضييق الأمني، ووصل الأمر إلى إغلاقات متكررة تمنع المصلين من الوصول إلى قبلتهم الأولى. 

إن محاولات تغييب الوجود الفلسطيني في القدس هي الوجه الآخر لمصادرة الأرض في الضفة؛ فالمعركة واحدة، والهدف هو حسم الصراع على الهوية والمكان بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع.

 

لا يمكن قراءة مشهد يوم الأرض بمعزل عن طبول الحرب التي تقرع بين إيران وإسرائيل، هذا التوتر الإقليمي يلقي بظلاله الثقيلة على الداخل الفلسطيني.

هناك خشية حقيقية من أن تعمل إسرائيل على تمرير قرارات ضم كبرى تحت غطاء التهديدات المتبادلة مع طهران، مستفيدة من انصراف الأنظار الدولية نحو "صراع القوى العظمى".

 

تحول الصراع الفلسطيني من مواجهة محلية إلى جزء من معادلة إقليمية معقدة، حيث تُستخدم الأرض الفلسطينية أحياناً كساحة لتوجيه الرسائل السياسية والعسكرية بين الأطراف الدولية.

 

رغم كل هذه الدوائر المتداخلة والخرائط التي تُعاد صياغتها بالبارود، يبقى يوم الأرض تذكيراً بالثابت الوحيد في هذه المعادلة، الإنسان الفلسطيني المتمسك بجذوره، إن سياسات الضم، ورغم قوتها العسكرية، تصطدم دائماً بحقيقة أن الأرض لا تعترف إلا بأصحابها الشرعيين.

 

إن التحدي الذي يواجهه الفلسطيني اليوم في ذكرى يوم الأرض هو تحدٍ ثلاثي الأبعاد: مواجهة التغول الاستيطاني، حماية المقدسات من التهويد، والحذر من أن تذوب قضيته في أتون الصراعات الإقليمية. يبقى الصمود هو الرد الوحيد على سؤال البقاء في زمن القوة.