ما يجري من حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي اندلعت قبل أكثر من خمسة عشر يومًا ولا تزال مستمرة، ليس مجرد صراعٍ عسكريٍ تقليدي، بل مشهدٌ معقد تتداخل فيه الأهداف المعلنة مع أخرى خفية لا تقل خطورة.
المتابع لمسار هذه الحرب يدرك أن ما يظهر على السطح لا يعكس كامل الحقيقة. فهناك محاولات واضحة لجرّ دول المنطقة، وخاصة دول الخليج، إلى أتون الصراع، رغم أن هذه الدول كانت منذ البداية تحذّر من اندلاعه، وترفض أن تكون طرفًا فيه. بل أعلنت صراحةً أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها لانطلاق أي هجمات، ومع ذلك تعرّضت لاستهدافات مباشرة، في محاولة لفرض واقعٍ جديد عليها.
يبدو أن أحد الأطراف يسعى لتوسيع دائرة الحرب وجرّ المنطقة بأكملها إليها، بينما الطرف الآخر لا يمانع في تحويل الإقليم إلى ساحة مشتعلة لا يُستثنى منها أحد. وبين هذا وذاك، تتقاطع الأهداف وتتشابه في خطورتها، حتى وإن اختلفت الشعارات.
في مثل هذا المشهد، يبرز السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن يكون موقف دول المنطقة؟
أولًا، من الحكمة أن تستمر دول الخليج في ضبط النفس، وأن تلتزم الحياد قدر الإمكان، وألا تنجرّ إلى الحرب رغم الاستفزازات والاستهدافات المتكررة. فالدخول في الصراع لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع رقعتها. وفي المقابل، ينبغي تفعيل أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي لوقف أي اعتداءات، والعمل على تهدئة التصعيد.
ثانيًا، إن استمرار هذا الموقف المتزن سيؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على الأطراف التي بادرت بالحرب، وستتوالى المواقف الرافضة للتصعيد، خاصة مع اتساع تداعياته الإنسانية والاقتصادية. ومع مرور الوقت، لن يكون من السهل على أي طرف الاستمرار في الحرب تحت هذا الضغط المتزايد.
ثالثًا، من المرجّح أن تبحث الأطراف المتحاربة عن مخرجٍ يحفظ ماء الوجه، سواء عبر إعلان انتصارٍ سياسي أو التوصل إلى تهدئة مرحلية. وفي كل الأحوال، فإن تجنب توسع الحرب يظل مكسبًا استراتيجيًا للمنطقة بأكملها.
كما أنه ليس من الحكمة تمني تدمير إيران تدميرًا كاملًا أو السعي لتغيير نظامها بالقوة، فمثل هذا السيناريو قد يفتح أبوابًا مجهولة العواقب، ويخلق فراغًا قد تستغله قوى أخرى بشكل يزيد من تعقيد المشهد.
بل إن حدوث مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى انحسار النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وهو أمر قد يُفسَّر بأنه في صالح إيران، كما قد تراه بعض دول المنطقة – ومنها دول الخليج – فرصة لإعادة ترتيب التوازنات بشكل مختلف.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لن يكون بالضرورة مستقرًا أو آمنًا، بل قد يحمل في طياته تحديات جديدة، ما يجعل التعاطي معه بحاجة إلى حذرٍ شديد ورؤية بعيدة المدى.
وإذا انتهت الحرب دون انهيار شامل، فإن ذلك قد يفتح بابًا لإيران لمراجعة سياساتها، وإعادة بناء علاقاتها مع دول الجوار، خاصة دول الخليج، على أسس جديدة قائمة على المصالح المشتركة وعدم التدخل. كما يمنح دول المنطقة فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الإقليمية بما يخدم الاستقرار والتنمية.
وفي المقابل، على دول الخليج أن تستثمر أي تهدئة محتملة لبناء منظومة إقليمية أكثر تماسكًا، تُقلل من فرص الصراع، وتعزز من التعاون الاقتصادي والأمني، وتُغلق الأبواب أمام التدخلات الخارجية.
إن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة، لا الانفعال، ومن التوازن، لا الاندفاع. فالحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادرًا ما تنتهي وفق ما خُطط لها.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبقى الرهان الحقيقي على وعي دول المنطقة، وقدرتها على تجنيب شعوبها ويلات حربٍ لا رابح فيها… إلا الخراب.
بين نيران الحرب وحكمة الحياد… كيف تتجنب المنطقة الانزلاق إلى الهاوية؟
تاريخ النشر : 2026-03-30 15:49
