واشنطن: مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، سادت قناعة أولية بأن إدارته ستسعى إلى تقليص الحضور الأميركي في الشرق الأوسط، انسجامًا مع خطابه التقليدي المناهض لـ«الحروب الأبدية» ومع التحولات البنيوية في البيئة الاستراتيجية الأميركية، وعلى رأسها استقلال الطاقة وتراجع التهديد الإرهابي العابر للحدود مقارنة بعقد مضى. غير أن المسار الفعلي خلال العام الأول من ولايته الثانية يشير إلى اتجاه مختلف: إعادة تكريس الانخراط العسكري والأمني الأميركي في المنطقة، لا الانسحاب منها. وفقا لمجلة فورين بوليسي الأمريكية.
فمنذ توليه المنصب، ارتفع عدد القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط من نحو 35 ألفًا إلى قرابة 50 ألف جندي. وبالتوازي، أطلقت الإدارة سلسلة مبادرات سياسية وأمنية تجعل هذا المستوى من الانتشار أقرب إلى أن يكون دائمًا، مع قابلية واضحة للتوسع مستقبلًا. هذه الزيادة لا تعكس مجرد تعديل تكتيكي، بل تمثل تحوّلًا في طبيعة الدور الأميركي من إدارة عن بُعد إلى حضور ميداني مباشر في عدد من ساحات النزاع.
برز قطاع غزة كنقطة ارتكاز مركزية في هذا التحول. فسياسة الإدارة هناك تجاوزت إطار دعم الحليف الإسرائيلي لتدخل في منطق إدارة ما بعد الحرب: تشكيل مجلس دولي تقوده شخصيات أميركية، تعيين جنرال أميركي على رأس قوة استقرار محتملة، ووضع تصورات واسعة لإعادة الإعمار بقيادة واشنطن. ومع استمرار النشاط المسلح، تتزايد احتمالات انزلاق الولايات المتحدة إلى نموذج “بناء الدولة”، وهو نموذج أثبت تاريخيًا ارتفاع كلفته السياسية والعسكرية وصعوبة الخروج منه.
في سوريا، ورغم تخفيض محدود في عديد القوات، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري في الشمال الشرقي، مع تقارير عن تشغيل قاعدة جديدة قرب دمشق في إطار جهود دعم السلطة الانتقالية. وقد ترافق ذلك مع ضربات جوية عقب استهداف قوات أميركية، ما يعكس انتقال المهمة تدريجيًا من مكافحة الإرهاب إلى إدارة الاستقرار في بيئة سياسية شديدة الهشاشة، حيث يصعب الفصل بين الأمني والداخلي.
أما تجاه إيران، فقد شهدت السياسة الأميركية انتقالًا نوعيًا مع قصف مواقع نووية إيرانية، في سابقة تمثل أول استخدام مباشر للقوة الأميركية ضد طهران. تبع ذلك نشر حاملة طائرات في الخليج وتصاعد الخطاب الرسمي حول تغيير القيادة الإيرانية. هذا التحول جعل القوة العسكرية محور السياسة، وربط جزءًا متزايدًا من الأصول الأميركية بالمنطقة، مع ما يحمله أي سيناريو انهيار داخلي إيراني من أعباء استقرار هائلة تفوق بكثير تجارب العراق وأفغانستان.
زاد من تعقيد مشهد الانسحاب إبرام الإدارة تعهدات أمنية جديدة مع دول إقليمية، من بينها التزام شبيه بالناتو مع قطر واتفاق أمني مع السعودية. ورغم أن هذه التفاهمات لم تُصادق عليها المؤسسات التشريعية، فإنها تخلق واقعًا سياسيًا ضاغطًا يصعب معه تقليص الوجود العسكري دون كلفة دبلوماسية واستراتيجية.
وراء هذه الخيارات الميدانية تبرز عوامل نفسية ومؤسسية تؤثر في صنع القرار. فهناك ميل واضح إلى ترسيخ “الوضع القائم” بعد اتخاذ القرار، إضافة إلى الوقوع في منطق “التكاليف الغارقة”، حيث يُضَخ المزيد من الموارد في مسارات مكلفة لتبرير ما أُنفِق سابقًا. كما أن مركزية القرار وضعف آليات المراجعة داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس يقللان من فرص التصحيح المبكر للمسار.
تاريخ التدخلات الأميركية يقدم تحذيرًا متكررًا: فكرة “تهيئة الظروف ثم الانسحاب” نادرًا ما تتحقق. ففي فيتنام والعراق وأفغانستان، أدى الانخراط الأولي المحدود إلى تورط أعمق، قبل أن يصبح الخروج سياسيًا وعسكريًا بالغ الصعوبة. والمؤشرات الحالية توحي بأن الشرق الأوسط يسير في الاتجاه ذاته، حيث يولّد كل التزام جديد حاجة إلى التزام إضافي لحمايته أو تثبيته.
الخلاصة أن سياسة ترامب الشرق أوسطية، رغم خطابها المعلن عن تقليص التدخل، تتجه عمليًا نحو إعادة إنتاج نمط التمدد التدريجي. الفرصة الوحيدة لكبح هذا المسار تكمن في إعادة تأطير النقاش داخل الإدارة حول الكلفة المستقبلية مقابل العائد الاستراتيجي الحقيقي، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات المتلاحقة. من دون ذلك، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على دورة جديدة من التورط طويل الأمد في منطقة باتت — وفق وثائقها الاستراتيجية نفسها — أقل مركزية لأمنها القومي مما كانت عليه في السابق.
