معبر رفح: لن يرجع إلا المضطر
محمد مصطفى أبو شامة
أمد/ بهذه العبارة المكثفة: «لن يرجع إلا المضطر»، لخّصت سيدة فلسطينية تقيم في مصر حالة القلق التي تسيطر على قطاع واسع من أهالي غزة مع الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، مؤكدة في تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» أن «المخاوف أكبر من الآمال لدى الغزيين». عبارة تختزل مأزقاً إنسانياً وسياسياً بالغ التعقيد، وتكشف أن فتح المعبر، على أهميته، لا يُستقبل في الوجدان الغزي باعتباره نهاية للمحنة، بل كخطوة محفوفة بالشكوك والهواجس.
وخلف تلك المخاوف، بقي جدار الصمود الفلسطيني حائلاً أمام أطماع دولة الاحتلال، التي فشلت، وبعد عامين من القتال المستعر والقتل الممنهج والإبادة والتجويع، في تحقيق نصر حاسم أو فرض واقع ديموغرافي جديد يدفع الفلسطينيين إلى الهروب من قطاعهم. هذا الصمود، المدعوم بإرادة شعبية راسخة، حرم إسرائيل من ترجمة أدواتها العسكرية إلى مكاسب سياسية، وأبقى مشروع التهجير في دائرة الفشل رغم كل محاولات تحويل الحياة في غزة إلى جحيم متصل. لهذا تكتسب إعادة فتح معبر رفح دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإنساني المباشر. فالمعبر لم يُفتح نتيجة تحوّل في الرؤية الإسرائيلية أو مراجعة أخلاقية لسلوك الاحتلال، بل جاء ثمرة ضغوط متراكمة، في مقدمتها الإصرار المصري على تثبيت معادلة واضحة: لا خروج من دون ضمان العودة، ولا إدارة للمعبر تُستخدم كأداة ضغط أو مدخل لإعادة إنتاج سيناريو التهجير.
هذا الإصرار المصري، الذي كاد يعطّل خطوة الافتتاح، أجبر الحكومة الإسرائيلية، بعد جولات من المراوغة والمماطلة، على القبول بتشغيل المعبر، باعتباره اختباراً لجدية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب في غزة.
وعليه، لا يمكن النظر إلى تشغيل المعبر، ولو بصورة تجريبية أو بطاقة محدودة، باعتباره إجراءً تقنياً أو إنجازاً إدارياً معزولاً، بل كمؤشر واضح على فشل سياسة الإغلاق والحصار في تحقيق أهدافها، واضطرار إسرائيل إلى التعامل مع واقع جديد تُفرض فيه اعتبارات إنسانية وسياسية لا يمكن تجاوزها بسهولة. كما أن فتح المعبر يمثل نقطة تحول في مسار الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب، إذ كان الانتقال من الأفكار واللجان والبيانات إلى خطوات عملية على الأرض بحاجة إلى هذه الخطوة المفصلية.
فيما يفرض البعد الإنساني نفسه هنا بقوة، لا سيما في الملف الصحي، حيث تشير التقديرات الفلسطينية والدولية إلى وجود عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى في قطاع غزة ممن يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية. وقد لعبت مصر منذ الأيام الأولى للحرب دوراً محورياً في هذا السياق، عبر استقبال المصابين والمرضى الفلسطينيين ونقل الآلاف منهم عبر معبر رفح لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية، مع تجهيز بنية طبية ولوجيستية واسعة للتعامل مع حالات شديدة التعقيد، في وقت كانت فيه العمليات العسكرية لا تزال في ذروتها.
غير أن هذا الدور المصري لم يكن إنسانياً فقط، بل حمل أبعاداً سياسية دقيقة. فالقاهرة تعاملت مع الأزمة بوصفها جزءاً من أزمة إقليمية أوسع، وأدارتها بمنهج «الصبر الاستراتيجي» الذي تطور لاحقاً إلى «الاتزان الاستراتيجي»، وفق توصيف وزارة الخارجية المصرية. وقد تمثّلت الخطوط الحمراء المصرية منذ اليوم الأول في رفض التهجير القسري، ورفض تصفية القضية الفلسطينية، والفصل التام بين مسار المساعدات الإنسانية ومسار الحرب، بما يمنع استخدام المعابر كوسيلة ضغط أو ابتزاز سياسي.
وجاء التشديد المصري على أن يُفتح المعبر في الاتجاهين، لا في اتجاه واحد فقط، إدراكاً لخطورة أن يتحول الخروج الإنساني إلى تهجير مقنّع، مهما اختلفت الصيغ أو التبريرات. كما حرصت القاهرة على تحقيق نوع من الاتزان بين أعداد الداخلين والخارجين، في مواجهة ضغوط إسرائيلية هدفت إلى ترجيح كفة الخروج، بما يخدم مخططاتها طويلة الأمد. هذا الحرص أسهم، إلى حد كبير، في تعطيل الافتتاح لفترة، قبل أن تنجح الضغوط المصرية، مدعومة بمواقف عربية وإسلامية، في فرض الصيغة التي جرى اعتمادها.
فيما تعكس التحذيرات الفلسطينية، بما فيها تصريحات حركة «حماس»، من أي اشتراطات إسرائيلية مرتبطة بتشغيل المعبر، إدراكاً عميقاً لطبيعة السلوك الإسرائيلي في إدارة الاتفاقات. فالتجربة الطويلة تؤكد أن إسرائيل غالباً ما تلجأ إلى التفاصيل الإجرائية لإفراغ الاتفاقات من مضمونها، وهو ما يجعل من قضية المعابر اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بمسار التهدئة، وليس مجرد ملف فني أو إداري. ويظل فتح معبر رفح مرتبطاً بالمسار السياسي الأثقل، المتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة، ودور لجنة التكنوقراط الفلسطينية، ونزع سلاح الفصائل، وإعادة الإعمار. وهي ملفات شديدة الحساسية، تمس جوهر التوازنات داخل القطاع، وتفرض على القوى الفلسطينية، وفي مقدمتها «حماس»، قرارات مصيرية قد تعني نهاية مرحلة وبداية أخرى في التاريخ السياسي لغزة.
ورغم الإشارات الإيجابية التي برزت في الأشهر الأخيرة من حيث الالتزام بالاتفاقات والتعاون مع الوسطاء، فإن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات، وإسرائيل ما زالت تبحث عن ذرائع للانقضاض على أي تفاهمات قائمة. في المحصلة، فإن معبر رفح، وهو يُعاد فتحه بعد أشهر طويلة من الإغلاق، يظل معبراً مشروطاً بالخوف والقلق أكثر منه بوابة أمل مفتوحة. فالعودة إلى غزة، بالنسبة لكثيرين، ليست خياراً طبيعياً بقدر ما هي اضطرار تفرضه الروابط العائلية أو الإحساس بالمسؤولية تجاه الأرض.
وبينما تتقدم الترتيبات السياسية ببطء، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل يتحول فتح المعبر إلى خطوة ثابتة على طريق استقرار حقيقي، أم يظل إجراءً مؤقتاً في صراع لم تُحسم بعد معادلاته الأساسية؟
