تأثيرات طوفان الأقصى في عامه الأول 2/3
التأثيرات الاستراتيجية لمعركة طوفان الأقصى على الكيان الصهيوني على المستويات والصعد كافة، انطلاقاً من التأثيرات العسكرية والأمنية، مروراً ما تسمى بالجبهة الداخلية، والتأثيرات السياسية والاقتصادية، وحتى القانونية والقضائية، وصولاً إلى التشكيك في استمرار الكيان وتفكيكه. مجمل هذه التأثيرات سترخي بظلالها طويلاً من خارج ما هو متوقع وعلى المدى البعيد، بحسب المحللين والمراقبين والمتابعين والمهتمين والمختصين بشؤون الكيان الصهيوني، وفي الصحافة ووسائل الإعلام العبرية والعالمية.
1. الكيان الذي ومنذ نشأته اغتصاباً على أرض فلسطين منذ 75 عاماً كان عماده بل وركيزته الاستراتيجية هو الجيش ومخابراته الذي ولد من رحم العصابات الإرهابية الصهيونية "الهاغانا وشتيرن والأرغون والبالماخ"، وهما عمود خيمة الكيان إلى أن جاءت معركة الأقصى بطوفانها في 7 أكتوبر تشرين الأول الماضي، لتُفقد هذا الجيش القاتل بمؤسسته وقياداته وضباطه وفرقه وكتائبه، العنصر الأهمّ من عناصر الأمان التي كان يركن إليها مجتمع المستوطنين الصهاينة، وليرسم مشهد انهيار الثقة في المنظومة العسكرية والأمنية. وأصبح مشكوك في قدرتهما على حمايتهم بعد معركة طوفان الأقصى، التي حفرت عميقاً في الوعي الصهيوني، على خلفية حقيقة لا يمكن تجاهلها أو القفز عنها، وهي أنّ الكيان قد هُزِمّ في وعيه العسكري ومن قبله الأمني، حيث تلمّس هذا المجتمع الصهيوني فقدان الجيش ومخابراته لقدراتهما في لحظة الانهيار المدوي لكل مناطق غلاف غزة. وهذا ما ترك أثاره التي تراكمت سريعاً لدى جنود الاحتلال، عندما بدأت حكومة نتنياهو الفاشية بحرب الإبادة بهدف اقتلاع المقاومة وطرد سكانه نحو سيناء المصرية، واستعادة الأسرى الصهاينة الذين تمّ اقتيادهم من مناطق غلاف غزة بعمق الأراضي المحتلة عام 1948 وصل إلى 30 كم.
2. إنّ المقاربة التي عمل عليها الكيان في الاندفاع نحو إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة ممارسة ضغوطها على العديد من الرسميات العربية وتحديداً الخليجية منها لإقناعها وتحت هاجس مخاوفها من إيران، أن تذهب إلى إقامة علاقات التطبيع مع الكيان لأن لديه القدرة على حمايتها من الخطر الإيراني. وبما يحقق للكيان، أولاً الاستقواء على القضية الفلسطينية وإرغام الرسمية الفلسطينية إلى تقديم المزيد من التنازلات، وتحويل تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وتقرير المصير، إلى سلام اقتصادي ليس إلاّ، ومن ثم العيش في كنف "الدولة القومية اليهودية". وثانياً، تثبيت الكيان أمراً واقعاً من خلال دمجه في المنطقة ك "دولة طبيعية" بل ومقرر في شؤونها. معركة طوفان الأقصى أدت إلى انهيار هذه المقاربة التي لو تأخرت معركة طوفان الأقصى لكان التطبيع بين السعودية وكيان الاحتلال الصهيوني قد نفذ.
3. منذ معركة سيف القدس العام 2021، وما حققته المقاومة من انتصار، وبالتالي تحرك الشعب الفلسطيني مؤازراً المقاومة في هذه المعركة وتحديداً في مدن ومناطق أراضينا الفلسطينية العام 1948 وما تركه هذا الحراك الفلسطيني هناك من تزايد الخطر الوجودي، وهذا ما ذهب إليه العديد من القادة والزعماء الصهاينة بما فيهم نتنياهو وكذلك يهودا باراك. ولعلّ الأوضح في هذا السياق ما جاء في مقالة "آري شافيط" وهو المحلل المخضرم حين قال: "اجتزنا نقطة اللاعودة، وإسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا طعم للعيش فيها. والحركة الصهيونية استخدمت المكر في الشخصية اليهودية عندما ضُخمت المحرقة، وأنّ الهيكل المزعوم تحت الأقصى. حان وقت الرحيل إلى سان فرانسيسكو أو برلين". وبهذا المعنى تزايد الخطر التغييرات الديمغرافية على كيان العدو. وقد تمثل في الهجرة المعاكسة على حساب نسبة الهجرة إلى الكيان. وهي ظاهرة تعاني منها دولة الاحتلال منذ سنوات فعلى سبيل المثال، انخفضت الهجرة إلى كيان الاحتلال بشكل حاد في منتصف العام 2023، حيث تراجعت نسبة استقدام اليهود بنحو 20 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2022، ووصفت جامعة "رايخمان" العبرية ذلك التغيير الديموغرافي بـ "الانقلاب"، حيث وصلت أعداد الصهاينة الذين غادروا فلسطين المحتلة من 7 أكتوبر تشرين الأول الماضي إلى نحو ما يُقارب 800 ألف مستوطن.
4. منذ معركة طوفان الأقصى ازدادت التوترات داخل حكومة نتنياهو الفاشية، وهي التي كانت تعاني أصلاً من توترات رافقت ما سمي بتعديلات القضائية التي عمل عليها نتنياهو، حيث التظاهرات كانت تعم مدن الكيان رفضاً لها. نظراً إلى تحميل الحكومة الفاشية برئاسة نتنياهو الفشل في توقع هجوم المقاومة في 7 أكتوبر من العام الماضي. حيث وفي استطلاع أجراه معهد “لازار” العبري، والذي أشار إلى أن 80 بالمئة يرون نتنياهو مسؤولًا عن هذا الإخفاق. وستتشكل لجان محاسبة لقادة الكيان على غرار لجنة "فينو غراند" التي أطاحت بأولمرت وحكومته في العام 2006.
5. معاناة الكيان من تباطؤ اقتصادي حاد، نظراً لفقدان زخمه الذي كان يتمتع به منذ عام 2022، بحسب موقع "غلوبس" المختص بالاقتصاد داخل الكيان. نظراً لاستمرار الحرب بتكاليفها العالية جداً على الكيان واقتصاده، ولضعف النشاط الاستهلاكي الخاص، واتساع العجز الحكومي بسبب ارتفاع الإنفاق وانخفاض الدخل، ومغادرة الاستثمارات من الكيان، وخسائر كبيرة جداً في العتاد والآليات العسكرية، والمرافق السياحية بسبب عدم توافد السياح إلى فلسطين المحتلة مع تراجع ملحوظ لشركات الطيران في القدوم لفلسطين المحتلة. وتضرر البورصة وإغلاق ميناء ايلات بفعل الإغلاق البحري الذي فرضه الجيش اليمني وأنصار الله. مع تضرر الزراعة في شمال فلسطين وجنوبها وتحديداً في مناطق غلاف غزة بسبب مغادرة عشرات الآلاف من المستوطنين لمستوطناتهم بسبب حرب الإسناد لحزب الله.
6. لطالما حظيت الشركات الأمنية والعسكرية باهتمام كبير للعديد من دول العالم، والتهافت على شراء الصناعات الأمنية والعسكرية. ولكن مع مُنيّ به الكيان من هزيمة وإخفاق في معركة طوفان، من المؤكد نسبة المبيعات لتلك الشركات ستتضرر بشكل كبير بسبب إحجام تلك الدول وبحثها عن صناعات أمنية ودفاعية من خارج أسواق الكيان الصهيوني. وهذا ما ذهب إليه المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي "يويل غوزانسكي"، في قوله "إننا ننفق المليارات على جمع المعلومات الاستخبارية عن المقاومة، ثم في ثانية واحدة انهار كل شيء كقطع الدومينو".
7. صحيح أنّ مآلات اليوم الثاني لتوقفها ستنهي الحياة والتاريخ السياسي لنتنياهو وحكومته الفاشية، التي جاءت ببرنامج قائم على رؤية أمنية تلتزم في تصفية القضية الفلسطينية بل وإنهاء الوجود الفلسطيني. ولكن معركة الطوفان أربكت حسابات تلك الحكومة الفاشية بسبب الهزيمة التاريخية الاستراتيجية في التفاصيل والنتائج. وبذلك صدرت المقاومة في قطاع غزة لهذه الحكومة أزمة لن تصحو منها طويلاً. ومن ثم في الضفة الغربية ومعارك الإسناد لمحور المقاومة ولا سيما تلك الحرب التي يخوضها حزب الله بكل اقتدار على الرغم مما تعرض وتعرضنا لها معه في استشهاد الشهيد الأغلى والأثمن، سيد شهداء طريق القدس سماحة السيد حسن الله وكوكبة من الأقمار الشهداء في كامل شعاع فلسطين المحتلة. ونتنياهو وحكومته الذين يُدركون هذه الحقيقة يجهدون في إطالة أمد الحرب وتوسعيها لتتحول إلى حرب إقليمية يتم توريط الولايات المتحدة الأمريكية، على رجاءٍ مكرر بأحلام أضغاث شرق أوسط جديد أخذ نتنياهو يُبشر به، فكانت رايس قد سبقته إليها عام 2006.